هل ينبغي السماح بالموت الرحيم (القتل الرحيم) حفاظاً على كرامة الإنسان؟

في هذه المدونة، سنبحث في أسباب دعم الموت الرحيم (القتل الرحيم) والأسس التي تقوم عليها هذه المبررات من وجهات نظر مختلفة.

 

في 21 مايو/أيار 2009، أصدرت المحكمة العليا لجمهورية كوريا حكمًا نهائيًا في ما يُعرف بـ"قضية الجدة كيم"، يسمح بإزالة جهاز التنفس الاصطناعي. وقد أعاد هذا الحكم إشعال النقاش العام حول مشروعية الموت الرحيم. ويُقصد بالموت الرحيم ممارسة إيقاف العلاج غير المجدي الذي يُبقي على حياة المرضى الذين لا أمل في شفائهم، مما يسمح لهم بالموت بشكل طبيعي مع الحفاظ على كرامتهم الإنسانية.
في 18 فبراير/شباط 2008، أُدخلت الجدة كيم إلى مستشفى سيفرانس لإجراء خزعة لتأكيد إصابتها بسرطان الرئة. أثناء العملية، تعرضت لتلف دماغي نتيجة نزيف حاد، ودخلت في غيبوبة. طلبت عائلتها من المستشفى إيقاف العلاج المُعيق للحياة، والذي لا طائل منه، لكي تتمكن من إنهاء حياتها بكرامة، لكن المستشفى رفض، مما أدى إلى رفع دعوى قضائية. قضت المحكمة العليا بأنه في الحالات التي يُعترف فيها بحق المريض الذي وصل إلى المرحلة النهائية من المرض، دون أي أمل في الشفاء، في تقرير مصيره بناءً على كرامته الإنسانية وقيمته وحقه في السعي وراء السعادة، يجوز إيقاف العلاج المُعيق للحياة ما لم تكن هناك ظروف خاصة. علاوة على ذلك، رأت المحكمة أنه إذا كان المريض قد أعرب سابقًا عن نيته رفض أو إيقاف العلاج المُعيق للحياة تحسبًا لوصوله إلى مرحلة نهائية دون أي أمل في الشفاء، فيجوز الاعتراف بحقه في تقرير مصيره من خلال التوجيهات الطبية المسبقة - حتى لو لم يكن قادرًا على التعبير عن إرادته وقت إيقاف العلاج - ما لم تكن هناك ظروف خاصة. وبناءً على هذا الحكم، تم إزالة جهاز التنفس الصناعي الخاص بالسيدة كيم في 23 يونيو 2009، وتوفيت بعد ذلك في 10 يناير 2010.
شكّل هذا الحكم الصادر عن المحكمة العليا نقطة تحوّل هامة في النقاش الدائر حول الموت بكرامة، إذ أقرّ بحق المرضى وعائلاتهم في اختيار موت كريم عند مفترق طرق الحياة والموت. في قضية سابقة بارزة - قضية مستشفى بوراماي - قامت عائلة المريض بتسريحه لأسباب مالية، ما أدى إلى وفاته. حينها، أدانت المحكمة العائلة بتهمة القتل، وأدانت الطاقم الطبي بتهمة التواطؤ في القتل. وبالنظر إلى تطور أحكام المحكمة على هذا النحو، يتضح أن مفاهيم الموت الرحيم قد شهدت تحولاً تدريجياً داخل المجتمع الكوري الجنوبي أيضاً.
على الرغم من هذه التغييرات، لا تزال الآراء حول الموت الرحيم منقسمة بشدة. وقد كشفت استطلاعات رأي دولية عديدة أُجريت في الماضي عن اختلافات كبيرة في التصورات بين الدول، ولا يزال الجدل الاجتماعي الدائر حول الموت الرحيم مستمراً في كوريا الجنوبية. فلماذا يعارض الكثيرون الموت الرحيم؟
أولًا، هناك مخاوف دينية وأخلاقية. تُعتبر معظم الأديان حياة الإنسان أسمى قيمة، وتؤكد أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يُنهي إنسان حياة إنسان آخر بشكل مصطنع. على سبيل المثال، يرى المجتمع المسيحي في كوريا الجنوبية أن الحياة كلها ملك لله، وأن إنهاء حياة أي شخص عمدًا يُعدّ تحديًا لسيادة الله. ولهذا السبب، عارض المجتمع المسيحي الموت الرحيم باستمرار. من منظور أخلاقي، يُقال إن كرامة الإنسان قيمة لا يجوز لأحد انتهاكها. ورغم وجود حالات لرفض المرضى للعلاج منذ زمن طويل، إلا أن الأطباء أو غيرهم لا يملكون سلطة إنهاء حياة أي شخص. كما يُثار قلق من أنه في حال إضفاء الطابع المؤسسي على الموت الرحيم، فقد تنتشر ثقافة الاستهانة بالحياة. لا يمكن اختزال حياة الإنسان إلى قيمة اقتصادية؛ ويُقال إنه إذا فضّلت عائلة المريض أو الطاقم الطبي التكاليف على الحياة بسبب الأعباء المالية، فقد تُنتهك كرامة الحياة. علاوة على ذلك، يُقال إنه بما أن الدولة تحمي أرواح حتى المحكوم عليهم بالإعدام على أساس الكرامة الإنسانية، فإن السماح بالتخلي عن أرواح الأبرياء يُعد تناقضاً منطقياً.
بالنظر إلى هذه الأسباب المتعددة، أعتقد أن هناك نقاطًا وجيهة في حجج معارضي الموت الرحيم. فالكرامة الإنسانية هي الأهم ويجب حمايتها مهما كلف الأمر. لذا، فإن الحجة القائلة بضرورة علاج المرضى حتى النهاية، حتى لو كانت فرصة الشفاء ضئيلة للغاية، لها وجاهتها. مع ذلك، لديّ وجهة نظر مختلفة بشأن الموت الرحيم. إذا كانت الكرامة الإنسانية هي القيمة الأسمى لدى معارضي الموت الرحيم، فأعتقد أنه من أجل صون هذه الكرامة، يجب احترام حق الإنسان في اختيار كيفية إنهاء حياته. ويرتبط هذا الرأي أيضًا بحق الإنسان في السعي وراء السعادة. فهل يُعقل أن نُطلق على حياة المريض التي تُبقي على قيد الحياة في ظل معاناة شديدة، موصولًا بجهاز التنفس الاصطناعي وأجهزة أخرى، حياة سعيدة؟ لا يمكننا الجزم بأن حياة مريض لا أمل له في الشفاء، يُعاني معاناة لا نهاية لها، هي بالضرورة حياة كريمة. أعتقد أن حتى هؤلاء المرضى لهم الحق في السعي وراء السعادة، ويجب أيضاً احترام حقهم في اختيار كيفية إنهاء حياتهم مع تقليل المعاناة إلى أدنى حد.
تُثار شكوكٌ أيضًا حول حجج الجماعات الدينية ضد الموت بكرامة. فإذا كان جوهر الحجة هو أن الله وحده هو صاحب الحق في إنهاء حياة الإنسان، وأنه لا يجوز للبشر أن يتصرفوا نيابةً عنه، فإن استخدام التكنولوجيا الطبية الحديثة لإطالة عمر مريضٍ يكاد ينعدم أمله في الشفاء لفترة طويلة قد يُفسَّر أيضًا على أنه تعدٍّ على إرادة الله. علاوةً على ذلك، إذا كان الرأي السائد هو أنه لا يجوز إنهاء الحياة اصطناعيًا، فإن تأجيل الموت الطبيعي باستمرار باستخدام أجهزة طبية مختلفة قد يكون في الواقع أكثر اصطناعية. لذلك، لا أعتقد أن مجرد إيقاف العلاج المُبقي على الحياة يُمكن مساواته بإنهاء الحياة اصطناعيًا.
تختلف أنظمة الموت بكرامة والقتل الرحيم اليوم اختلافًا كبيرًا من بلد إلى آخر. فبعض الدول تسمح بالقتل الرحيم الفعلي، بينما لا تسمح دول أخرى إلا بالانتحار بمساعدة الطبيب أو سحب العلاج المنقذ للحياة، مع اختلاف النطاقات القانونية بين الدول. ونتيجة لذلك، يصعب وصف الوضع الراهن لهذه الأنظمة بالاعتماد فقط على عدد الدول المحددة. ومع ذلك، تتوسع النقاشات الرامية إلى احترام حق المرضى في تقرير مصيرهم والتمتع بجودة حياة جيدة بشكل مطرد في جميع أنحاء العالم. وأعتقد أنه ينبغي السماح بالموت بكرامة وفقًا لمعايير قانونية وطبية صارمة، ليس فقط لاحترام رغبات المرضى الذين يواجهون الموت وحماية كرامتهم الإنسانية وقيمتهم وحقهم في السعي وراء السعادة، بل أيضًا لتخفيف معاناة أسرهم المفجوعة وعبء فقدانهم.

 

عن المؤلف