كيمياء الإشارات: ما هو تحويل فورييه؟

في هذه المدونة، سنشرح كيف يقوم تحويل فورييه بتحليل الإشارات وكيف يتم تطبيقه في سيناريوهات الحياة الواقعية، مثل التعرف على الكلام.

 

المفاهيم الأساسية لتحويل فورييه

في عام ٢٠١٢، صنّفت مجلة MIT Technology Review تحويل فورييه السريع (FFT) كواحد من أكثر التقنيات تأثيرًا. في الواقع، يُعدّ تحويل فورييه أداةً أساسيةً تُستخدم في جميع الأجهزة الإلكترونية تقريبًا، بما في ذلك أجهزة الاتصال كالهواتف الذكية، والكاميرات التي تُنتج صورًا عالية الوضوح، ومعادلات الصوت MP3. في الهندسة الكهربائية، يحظى تحويل فورييه بأهمية بالغة لدرجة أنه لطالما كان موضوعًا محوريًا في المناهج الدراسية.
تعتمد فكرة تحويل فورييه الأساسية على تحليل الإشارة الفيزيائية إلى وحدات أساسية أبسط. ويُقصد بـ"الإشارة" هنا أي شيء يتغير سعته مع مرور الوقت. ومن أمثلة الإشارات: الصوت والضوء، اللذان تتغير سعتهما وشدتهما. وهذه الوحدات الأساسية هي موجات جيبية، ولكل موجة جيبية ترددها الخاص.
لفهم الموجات الجيبية والتردد، تخيل هزّ خيط طويل. إذا حركت يدك ببطء، يتحرك الخيط صعودًا وهبوطًا ببطء، مُكوّنًا موجة ذات فواصل واسعة؛ أما إذا حركت يدك بسرعة، فتتقارب الفواصل بين الموجات. إذا تحرك الخيط صعودًا وهبوطًا مرة واحدة في الثانية، يُسمى ذلك 1 هرتز؛ وإذا تحرك مرتين في الثانية، يُسمى ذلك 2 هرتز. بعبارة أخرى، التردد هو عدد التكرارات في الثانية، ويُرمز له بوحدة الهرتز (Hz).
إن تشبيه الإشارة بتكوين موجات جيبية بترددات مختلفة يشبه مزج المكونات في الطبخ. فكما يدخل الدجاج والماء ومعجون الفلفل الأحمر الكوري (غوتشوجانغ) وشراب الذرة في تحضير طبق "داك دوريتانغ"، تحتوي الإشارة الواحدة أيضاً على موجات جيبية مختلفة - مثل 1 هرتز و2 هرتز و3 هرتز - ممزوجة بنسب متفاوتة. ولأن الإشارة الأصلية عبارة عن مزيج من هذه المكونات، يصعب تحليلها مباشرة.
يُعدّ الملح والرمل وبرادة الحديد أمثلةً على طرق فصل المخاليط. فبإذابتها في الماء وترشيح المحلول، ثم فصل ما تبقى، وما يلتصق بالمغناطيس، وما يتبقى، نستطيع تحديد خصائص كل مادة على حدة. وبالمثل، يُحلل تحويل فورييه الإشارة المعقدة إلى مكونات موجية جيبية، كاشفًا عن سعة وتردد كل مكون. وبفحص المكونات المفصولة، يصبح من الأسهل فهم مكونات الإشارة.

 

مبادئ وتطبيقات عملية لتحويل فورييه

يعود سبب استخدام تحويل فورييه للموجات الجيبية كوحدات أساسية إلى العلاقة الفريدة التي تربط هذه الموجات ببعضها، ألا وهي خاصية التعامد. فعند ضرب موجات جيبية ذات ترددات مختلفة وتكاملها، تكون النتيجة صفرًا؛ أما عند ضرب موجات جيبية ذات تردد واحد وتطبيعها، فتكون النتيجة قيمة محددة (عادةً 1). وباستخدام هذه الخاصية، يمكننا عزل سعة مكونات ترددية محددة في الإشارة.
على سبيل المثال، لنفترض أن إشارة ما تحتوي على مُركّب بتردد 1 هرتز وسعة 1، ومُركّب بتردد 2 هرتز وسعة 2، ومُركّب بتردد 3 هرتز وسعة 3. إذا ضربنا هذه الإشارة بموجة جيبية بتردد 1 هرتز وأجرينا التكامل، فإن النتيجة تكون 1؛ وإذا ضربناها بموجة جيبية بتردد 2 هرتز، فإن النتيجة تكون 2؛ وإذا ضربناها بموجة جيبية بتردد 3 هرتز، فإن النتيجة تكون 3. بإجراء هذا الضرب الداخلي مع الإشارة عند ترددات مختلفة، يُمكننا تحديد مقدار كل مُركّب ترددي. يُعدّ تحويل فورييه أداة رياضية تُنظّم هذه العملية.
يُعدّ التعرف على الكلام مثالاً بارزاً على المجالات التي يُستخدم فيها تحويل فورييه على نطاق واسع. يتكون الصوت البشري من موجات تُولّد في الهواء نتيجة اهتزاز الأحبال الصوتية، ويقوم الميكروفون بتحويل هذه الاهتزازات الهوائية إلى إشارات كهربائية. ولأن الإشارة الكهربائية تحتفظ بالشكل الدقيق لإشارة الكلام الأصلية، يقوم الحاسوب بتطبيق تحويل فورييه على هذه الإشارة لتحليل مكوناتها الترددية.
يتميز صوت كل شخص بتوزيع ترددي فريد، ولكل صوت (مثل /p/، /t/، /s/، /a/، إلخ) مكونات ترددية مميزة. تقوم أنظمة التعرف على الكلام بتحليل هذه المكونات الترددية المنفصلة لتحديد الأصوات الموجودة وهوية المتحدث. وقد أدت هذه القدرة إلى تطبيقات عملية مثل المساعدين الصوتيين في الهواتف الذكية، كما تم استخدامها في خدمات مثل سيري.
الهندسة الكهربائية هي مجال دراسة يحوّل البيانات منخفضة المستوى إلى إشارات كهربائية، ويحلل هذه الإشارات ويعالجها لتحويلها إلى معلومات عالية المستوى، ويبحث في طرق نقل هذه المعلومات إلى البشر أو العمل نيابةً عنهم. وفي هذا السياق، يُعدّ تحويل فورييه أداةً أساسيةً تُمكّننا من رؤية الإشارات من منظور التردد، مما يُتيح لنا حلّ المشكلات من زاوية جديدة.
لا تزال الأبحاث جارية حتى اليوم حول تحويل فورييه وخوارزميات مثل تحويل فورييه السريع (FFT) - التي تُجري هذه العمليات بسرعة أكبر. ومع تقدم التكنولوجيا، سيتسع نطاق تطبيقات تحويل فورييه، وستظل القدرة على تحليل الإشارات وإعادة تركيبها - كما في "الكيمياء القديمة" - تُشكل أساسًا للعديد من التقنيات الإلكترونية في المستقبل.

 

عن المؤلف