في هذه المدونة، نستكشف لماذا يختار الناس لحظاتهم السعيدة فقط لنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، ولماذا يعتقدون أن هذه الصورة هي حقيقتهم، وعواقب هذا السلوك.
مفارقة مخاوف الخصوصية والإفصاح العلني
قبل بضع سنوات، عندما أقرت جوجل حق طلب حذف المعلومات الشخصية على الإنترنت - ما يُعرف بـ"الحق في النسيان" - حظيت قضية حماية الخصوصية على الإنترنت باهتمام كبير. ولا تزال المخاوف بشأن تسريب البيانات الشخصية وانتهاكات الخصوصية، مثل الجدل الدائر حول مراقبة تطبيقات المراسلة، قائمة، مما دفع بعض المستخدمين إلى التحول إلى خدمات خارجية يصعب مراقبتها. وبالتالي، يتضح جليًا تزايد الاهتمام بحماية الخصوصية في المجتمع الحديث.
مع ذلك، يشارك معظم الناس تفاصيل حياتهم اليومية بنشاط على منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام. ومن الشائع رؤية المستخدمين ينشرون تفاصيل دقيقة حتى عن أبسط اللحظات، مثل "متى، وأين، ومع من، وماذا فعلوا، وماذا أكلوا"، متجاوزين بذلك مجرد توثيق أنشطتهم. هذا الموقف المزدوج، حيث يختار الناس المشاركة رغم تنامي حركة حماية الخصوصية، منتشر على نطاق واسع في الفضاء الإلكتروني.
هل وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة مذكرات شخصية أم مسرح؟
ينظر البعض إلى وسائل التواصل الاجتماعي على أنها شكل متطور من أشكال المذكرات. فهي تشبه المذكرات في أنها تتيح للمستخدمين استرجاع ذكريات الماضي ومشاركة آخر المستجدات مع من حولهم. ومع ذلك، يظهر فرق شاسع عند مقارنة منشورات الآخرين بمذكرات المرء الشخصية.
بينما تحتوي اليوميات حتماً على الحزن والشكاوى والإرهاق، فإن منشورات وسائل التواصل الاجتماعي تقتصر عموماً على الأمور التي تبدو سعيدة وخالية من الهموم. هذا الاختلاف يتجاوز مجرد مسألة اختيار؛ فهو يُظهر أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مسرحاً يُغلّف فيه الأفراد حياتهم ويُزيّنونها.
يُزيّن الناس حياتهم ليظهروا بمظهرٍ أكثر بريقًا وراحةً، سعيًا وراء حسد الآخرين وجذب انتباههم. ونظرًا لطبيعة وسائل التواصل الاجتماعي سريعة التغير، حيث تأتي ردود الفعل وتختفي بسرعة، فبمجرد أن يروا ردود فعل إيجابية، يزداد هوسهم بالحفاظ على هذه الصورة المصطنعة. ومن خلال هذه العملية، قد يقعون في حالة من التنويم الذاتي، مُقنعين أنفسهم بأنهم "سعداء حقًا".
ثمن الكمامة: الإرهاق والعزلة
لماذا يلجأ البعض إلى التنويم الذاتي لمجرد الظهور بمظهر السعادة؟ السياق الاجتماعي يجعل ذلك مفهوماً. يعيش الشباب في العشرينات والثلاثينات من عمرهم تحت وطأة القلق والضغط نتيجةً للركود الاقتصادي، وصعوبات الحصول على وظيفة، وعبء قروض الطلاب. في واقع يصعب فيه إيجاد أي متنفس - حيث يضطرون للعمل بدوام جزئي لتغطية الرسوم الدراسية ونفقات المعيشة أثناء الاستعداد للعمل - تُصبح "اللحظات السعيدة" على وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة متنفس لهم.
لكن هذا الشعور بالراحة ليس حقيقياً. فعندما تخفي مشاعرك الحقيقية وتركز فقط على إظهار مظهر خارجي أنيق، ينتهي بك الأمر إلى تقديم صورة لا تعكس مشاعرك الحقيقية. ويؤدي هذا التناقض بين الذات التي يراها الآخرون وذاتك الحقيقية إلى الإرهاق العاطفي والعزلة على المدى البعيد.
في الواقع، تشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أنه كلما زاد استخدام الناس لوسائل التواصل الاجتماعي، انخفض مستوى رضاهم عن الحياة. ويعود ذلك إلى أن رؤية حياة الآخرين المُنمّقة بعناية تُولّد الغيرة والمقارنة، مما يجعل واقع المرء يبدو ضئيلاً. وبالتالي، عندما يرتدي الجميع "قناع السعادة"، تظهر مفارقة: فبينما قد تبدو الأمور براقة ظاهريًا، إلا أن التعاسة والمنافسة في الداخل تتعمقان.
رغم أن وسائل التواصل الاجتماعي تتيح لنا مشاركة تفاصيل حياتنا اليومية وتعزيز الشعور بالتواصل، إلا أنها قد تتحول أيضاً إلى أداة تُغذي ضغط المقارنة والتظاهر. لذا، قد يكون من الأفضل التمييز بين شخصياتنا على الإنترنت ومشاعرنا الحقيقية، واختيار الصدق من حين لآخر.