كيف حوّلت وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً واحداً إلى مهرجان؟

في هذه المدونة، سنلقي نظرة فاحصة على كيفية انتشار نقاش صغير عبر الإنترنت بسرعة وتطوره إلى حدث على أرض الواقع وظاهرة ثقافية شعبية، مع دراسة أنواع وسائل التواصل الاجتماعي وهيكلها وتأثيرها الاجتماعي.

 

ما هي شبكة التواصل الاجتماعي (SNS)؟

تُجسّد حالة حديثة، حيث حظي حدث صغير أُقيم في مدرسة ابتدائية باهتمام جماهيري واسع وتحوّل إلى مهرجان كبير، قوة وسائل التواصل الاجتماعي في التواصل المعاصر. فقد أدى نقاش بسيط على الإنترنت أو منشور قصير إلى فعاليات وبث مباشر، بل وحتى رعاية، بفضل المشاركة والانتشار الواسع. هذه الظاهرة ليست مجرد مسألة تقنية، بل هي ظاهرة اجتماعية تُبيّن كيف يمكن لشبكات العلاقات بين الأفراد أن تتوسع وتنمو.
عند تحليل مكونات "خدمة الشبكات الاجتماعية"، نجد أن "الاجتماعية" تشير إلى المجتمعات والعلاقات الاجتماعية، و"الشبكة" تشير إلى الروابط بين الأفراد، و"الخدمة" تشير إلى البنية التحتية التي تُمكّن هذه العلاقات. وبشكل عام، تُشبه هذه الخدمة المجتمعات الإلكترونية القائمة؛ إلا أنه بينما تميل المجتمعات الإلكترونية إلى تشكيل مجموعات تتمحور حول اهتمامات مشتركة، تختلف الشبكات الاجتماعية في أن الروابط التي تتمحور حول الأفراد تتراكم لتُشكّل شبكة أوسع بكثير.
بشكل عام، تُفهم مواقع التواصل الاجتماعي على أنها منصة إلكترونية تُنشئ وتُعزز العلاقات الاجتماعية من خلال التواصل الحر، وتبادل المعلومات، وتوسيع الشبكات المهنية بين المستخدمين. ويُشير الباحثون تحديدًا إلى ثلاث خصائص مشتركة لمواقع التواصل الاجتماعي: أولًا، يُمكن للمستخدمين إنشاء ملفات تعريف عامة أو شبه عامة؛ ثانيًا، لديهم قائمة اتصالات (أصدقاء)؛ ثالثًا، يُمكنهم الوصول بسهولة إلى أشخاص آخرين من خلال قائمة الاتصالات هذه. ويُتيح الجمع بين هذه العناصر الثلاثة توسيع نطاق الشبكات الاجتماعية التي تتمحور حول الفرد.

 

أنواع وخصائص وتأثير الشبكات الاجتماعية

على الرغم من أن مصطلح "وسائل التواصل الاجتماعي" يُستخدم غالبًا كمرادف لمصطلح "شبكات التواصل الاجتماعي"، إلا أن المصطلحين ليسا متطابقين تمامًا؛ بل يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بعلاقة هرمية. تُصنّف وسائل التواصل الاجتماعي إلى أنواع مختلفة بناءً على وظيفتها وهدفها، ومن الأمثلة عليها المدونات، والمدونات المصغّرة، وشبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات تنظيم الفعاليات.
المدونات هي مساحات نشر شخصية تركز على المحتوى الطويل، ومنصات مثل ووردبريس وبلوجر تندرج ضمن هذه الفئة. أما المدونات المصغرة فتتيح التواصل السريع عبر الرسائل القصيرة؛ وتويتر مثال بارز عليها، ويمكن اعتبارها مزيجًا بين المدونات وخدمات التواصل الاجتماعي. تهدف خدمات التواصل الاجتماعي إلى بناء وتوسيع العلاقات الاجتماعية، ومن خدمات مثل فيسبوك وساي وورلد تندرج ضمن هذه الفئة. وتركز منصات التواصل الخاصة بالفعاليات على التجمعات والفعاليات، ومن أمثلتها ميت أب.
رغم اختلاف هذه الأنواع في الغرض والاستخدام، إلا أنها تشترك جميعها في هدف واحد هو تسهيل التواصل بين الناس ونشر المعلومات. وقد أكدت الدراسات الاستقصائية وآراء المستخدمين مرارًا وتكرارًا أن خدمات مثل تويتر وفيسبوك هي أول ما يتبادر إلى الذهن عند التفكير في خدمات التواصل الاجتماعي.
لقد جلب انتشار خدمات التواصل الاجتماعي فوائد واضحة. إذ بات بإمكان الأفراد التعبير عن آرائهم بسهولة أكبر وتوسيع شبكاتهم، بينما تُتبادل المعلومات بسرعة، مما يُوسع نطاق التواصل. من جهة أخرى، تنشأ مشاكل في كثير من الأحيان، مثل تضخيم الحقائق البسيطة أو سوء الفهم في لحظة، مما يؤدي إلى انتشار المعلومات المضللة، أو المبالغة في التعبير عن الحماس الجماعي والنقد. إن عملية تحول ملاحظة بسيطة إلى حدث واسع النطاق، كما رأينا في مثال المهرجان المذكور سابقًا، تُظهر بوضوح الجوانب الإيجابية والسلبية التي أوجدتها وسائل التواصل الاجتماعي.
في نهاية المطاف، لا تُعدّ وسائل التواصل الاجتماعي إيجابية أو سلبية بطبيعتها؛ بل إنّ استخدامها، بحسب كيفية استخدامها وسياقها، قد يكون مفيدًا أو ضارًا بالمجتمع. لذا، يتعيّن على الأفراد والمنظمات فهم هذه الخصائص، والجمع بين ممارسات التواصل المسؤولة وجهود التحقق من المعلومات.

 

أصول وخدمات وسائل التواصل الاجتماعي الرئيسية

تشمل الأشكال المبكرة لوسائل التواصل الاجتماعي موقع Classmate.com (1995) وموقع SixDegrees.com (1997)، اللذان ظهرا في منتصف إلى أواخر التسعينيات. وكانت هذه الخدمات أول من قدم طريقة لبناء شبكات عبر الإنترنت بين الأشخاص من خلال قوائم الأصدقاء.

في كوريا الجنوبية، يعتبر موقع Cyworld نقطة انطلاق الشبكات الاجتماعية بعد أن قدم تنسيق "الصفحة الرئيسية المصغرة" في عام 2001.
منذ ذلك الحين، ظهرت أشكال مختلفة من الشبكات الاجتماعية، وتشمل الخدمات التمثيلية اليوم فيسبوك وتويتر وساي وورلد وجوجل بلس (التي شهدت تغييرات بسبب طبيعة الخدمة).
تأسس فيسبوك عام ٢٠٠٤، وسرعان ما أصبح شبكة تواصل اجتماعي ذات تأثير عالمي واسع. يُكوّن المستخدمون صداقات بناءً على علاقاتهم الشخصية، ويشاركون آخر المستجدات عبر صفحاتهم، ويتواصلون من خلال التعليقات. يقترح الموقع أشخاصًا قد يعرفونهم بناءً على المعلومات المُدخلة في ملفاتهم الشخصية، مثل العمر والعنوان والمدرسة والبريد الإلكتروني، كما يوفر آلية تُمكّن المستخدمين من توسيع شبكتهم بسهولة من خلال البحث عن أصدقاء الأصدقاء. ويعود الفضل في قاعدة مستخدميه النشطة الضخمة (حتى عام ٢٠١٢) إلى حد كبير إلى استغلاله الأمثل لهذه الإمكانيات.
بدأ تويتر كخدمة لتبادل الرسائل القصيرة بحد أقصى 140 حرفًا. نشأ هذا الحد من تصميمٍ كان يهدف في البداية إلى النشر عبر الرسائل النصية القصيرة. تعتمد آلية تكوين الصداقات فيه على بنية "متابعة" غير متناظرة، بدلاً من المطابقة المتبادلة، حيث يتلقى أحد الطرفين تحديثات الآخر بينما لا يتلقاها الآخر. في حين أن المتابعة المتبادلة تُمكّن التواصل ثنائي الاتجاه، فإن متابعة المشاهير أو المنظمات ذات الاهتمام المشترك تسمح للمستخدمين بتكوين شبكات مفتوحة تتجاوز الصداقات الواقعية.
اكتسب موقع Cyworld شهرةً واسعةً في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، بفضل هيكليته التي تتيح للمستخدمين تزيين صفحاتهم الشخصية المصغّرة، وتحميل ملفاتهم الشخصية وصورهم ومذكراتهم، وتكوين صداقات من خلال مفهوم "الأصدقاء الافتراضيين". ونظرًا لطبيعة الإنترنت المحلية آنذاك، كان استخدام الأسماء الحقيقية شائعًا، وغالبًا ما كانت هويات المستخدمين الحقيقية مرتبطةً مباشرةً بصفحاتهم المصغّرة. وفي إحدى المراحل، بلغ عدد مشتركيه عشرات الملايين، وتمتع بنفوذ واسع النطاق (على سبيل المثال، تشير الإحصائيات إلى أعداد الأعضاء حتى عام 2012).
يُعدّ Google+ خدمة حديثة نسبيًا، تتميّز بمحاولتها الجمع بين مزايا الشبكات الاجتماعية القائمة وسهولة استخدام الهاتف المحمول. وقد استخدمت مفهوم "الدوائر" لتجميع الأصدقاء والمعارف بطريقة تُحاكي العلاقات الواقعية، مما يسمح للمستخدمين بالتحكّم في تفاعلاتهم، كالنشر في دوائر مُحدّدة فقط أو مُشاهدة التحديثات حصريًا من تلك الدوائر. كما تضمّنت وظائف تُحسّن سهولة الاستخدام على الهاتف المحمول، مثل مُزامنة الصور من الهاتف مع الخوادم في الوقت الفعلي لتبسيط عملية تحميل الصور.

 

الأثر الإيجابي لوسائل التواصل الاجتماعي

يُعزى الانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعي إلى دورها كمنصة إعلامية فردية، حيث يتبادل الأفراد الأخبار والمعلومات مباشرةً، فضلاً عن سرعة انتشار المحتوى في غضون ثوانٍ. فعندما ينقل الأفراد الأحداث في الوقت الفعلي، تنتشر المعلومات بسرعة أكبر بكثير مما تنتشر عبر وسائل الإعلام التقليدية.
بالنظر إلى الأمثلة الدولية، يُنسب الفضل على نطاق واسع لوسائل التواصل الاجتماعي في لعب دور حاسم خلال ما يُسمى بـ"ثورة الياسمين" التي بدأت في تونس. فمع انتشار مقاطع الفيديو والمنشورات التي صورها المواطنون أنفسهم بسرعة عبر الإنترنت، أصبحت الأصوات القادمة من الميدان - والتي عانت وسائل الإعلام التقليدية في نقلها - معروفة على نطاق واسع، مما شكل عاملاً رئيسياً في تسريع انتشار الثورة.
في كوريا الجنوبية أيضاً، تُستخدم التقارير الميدانية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بفعالية في حالات الكوارث التي يصعب فيها التغطية الإعلامية، كما هو الحال أثناء الأعاصير أو الأمطار الغزيرة المحلية. وتتيح هذه الطريقة، التي يقوم فيها المواطنون بنشر المعلومات في الوقت الفعلي على حسابات وسائل الإعلام، ثم تقوم هذه الجهات بتجميعها وإعادة نشرها، تحديثات أسرع للوضع مقارنةً بوسائل الإعلام التقليدية.
تستغل الشركات والدوائر السياسية هذه الخصائص أيضاً من خلال إدارة حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل المباشر مع المستهلكين أو الناخبين وتعزيز شعبيتهم. ويُعدّ تأثير وسائل التواصل الاجتماعي هائلاً في مجالات مثل الترويج للفعاليات وإيصال الرسائل خلال فترات الانتخابات.

 

الآثار الجانبية لوسائل التواصل الاجتماعي والتدابير المضادة

من جهة أخرى، قد تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي إلى أضرار جسيمة، كالتشهير الجماعي - ما يُعرف بـ"حملات التشهير" - أو نشر الشائعات المغرضة، التي تستغل سهولة الوصول إلى الملفات الشخصية. ومن الأمثلة المعروفة على ذلك نشر صورة لحادثة وقعت في مترو الأنفاق على الإنترنت، ما أدى إلى كشف معلومات شخصية لامرأة وتعرضها لانتقادات لاذعة. تُعدّ هذه الهجمات خطيرة لأنها تُسبب ضغطًا نفسيًا هائلًا للضحية، وقد تُفضي أحيانًا إلى عواقب وخيمة لا رجعة فيها.
وقد أدت هذه الظاهرة إلى ظهور مصطلحات جديدة مثل "المكارثية الإلكترونية"، التي تجمع بين "مواطن الإنترنت" و"المكارثية". ويمكن أن يتسبب العمل الجماعي عبر الإنترنت الذي يستهدف الأفراد ليس فقط في إلحاق الضرر الشخصي، بل أيضاً في القلق الاجتماعي والخسائر الاقتصادية.
تُعدّ الشائعات المغرضة التي تستهدف المجتمع ككل مشكلةً رئيسيةً أيضاً. فعلى سبيل المثال، تُثير الشائعات حول أوامر التعبئة العسكرية أو الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة بشأن ضرر منتجات معينة القلق وانخفاض الاستهلاك. واستجابةً لهذه الظاهرة، حذّرت منتدياتٌ مثل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس من الآثار السلبية الناجمة عن الانتشار الواسع للمعلومات غير الدقيقة، مستخدمةً مصطلح "وباء المعلومات".
تتصدى الحكومة وهيئات التحقيق للشائعات المغرضة والمنشورات الإجرامية من خلال القوانين ذات الصلة ومنظمات مكافحة الجرائم الإلكترونية. ومع ذلك، فإن المخاوف بشأن انتهاك حرية التعبير تجعل من الصعب تحقيق التوازن بين التنظيم وحماية الحقوق الفردية. في الماضي، كانت إجراءات مثل نظام الأسماء الحقيقية على الإنترنت مثيرة للجدل، بل إن بعضها حُكم بعدم دستوريته في كوريا (ومن الحقائق التاريخية أن المحكمة الدستورية أصدرت حكماً بهذا الشأن عام ٢٠١٠).

 

تحديات المستقبل وبصيص أمل

في مجتمع المعلومات، رسّخت وسائل التواصل الاجتماعي مكانتها كركيزة أساسية. فبينما تُتيح مزايا كونها منبراً للتغيير وتُسهّل التواصل بين الأفراد، إلا أنها قد تتحول أيضاً إلى أداة لتشويه سمعة الآخرين وتضخيم القلق الاجتماعي. لذا، يجب على الحكومة والمجتمع البحث عن سُبل للحدّ من الضرر الناجم عن المعلومات المُضلّلة والشائعات المغرضة، مع احترام حرية التعبير.
على المستوى الفردي، من المهم غرس آداب السلوك الأساسية والقدرة على التقييم النقدي للمعلومات. أما على المستوى المؤسسي، فثمة حاجة إلى تهيئة بيئة سليمة لوسائل التواصل الاجتماعي من خلال إدارة شفافة ومسؤولة للمنصات، وتعزيز إجراءات معالجة الأضرار، وتحقيق التوازن بين التوعية والاستجابات التقنية.
وأخيرًا، حتى وإن كان من غير المرجح ظهور حل كامل على الفور، فإن التغيير ممكن عندما تتضافر الجهود الصغيرة. وكما نجح الشخص الذي قال "يمكن فعل ذلك" في نصب خيمة تتسع لـ ٢٤ شخصًا في فعالية ما، ألا ينبغي لنا أن نتمسك بالأمل في أن يظهر حل عملي بمجرد أن يقول أحدهم "يمكن فعل ذلك"؟

 

عن المؤلف