هل تُعد طريقة الفرق في الفروق الطريقة الأنسب لتقييم آثار السياسات عندما لا تكون التجارب ممكنة؟

في منشور المدونة هذا، ندرس موثوقية وقيود طريقة الفرق في الفروق، والتي تستخدم على نطاق واسع لتقييم آثار السياسات في الحالات التي يصعب فيها إجراء التجارب.

 

في علم الاقتصاد، ثمة حالات عديدة تستدعي تقييم آثار السياسات لتيسير مناقشات سياسية قائمة على الأدلة. هذه العملية بالغة الأهمية لحل القضايا الاجتماعية والاقتصادية وإثبات جدوى السياسات. وعلى وجه الخصوص، من الضروري تحديد ما إذا كان تطبيق سياسة اقتصادية أو برنامج اجتماعي قد حقق آثارًا إيجابية فعلية أم تسبب في آثار جانبية غير مقصودة. يتضمن تقييم أثر السياسة مقارنة النتائج بعد تطبيقها بالنتائج التي كانت ستتحقق لولا تطبيقها. تُعد هذه المقارنة معلومات أساسية لصناع السياسات، إذ تُسهم في تصميم السياسات المستقبلية، وتُعزز في نهاية المطاف الرفاه الاجتماعي العام.
مع ذلك، ولأن النتائج الافتراضية لا يمكن رصدها، يُقيّم أثر حدث ما بمقارنة نتائج مجموعة تجريبية - تتألف من عينات تعرضت للحدث - مع نتائج مجموعة ضابطة - تتألف من عينات لم تتعرض للحدث. ويُعدّ تكوين المجموعتين التجريبية والضابطة عاملاً حاسماً في تحديد دقة التقييم. فإذا اختلفت المجموعتان في عوامل أخرى غير الحدث نفسه، فقد تُشوّه هذه الاختلافات نتائج التقييم. لذا، يكمن جوهر هذه العملية في تكوين مجموعتين لا يوجد سبب لاختلاف نتائجهما سوى الحدث نفسه. فعلى سبيل المثال، عند تقييم أثر حدث ما على الأجور، ينبغي تكوين المجموعتين بحيث يكون متوسط ​​أجور المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة متساوياً بالضرورة في حال عدم وقوع الحدث. ولتحقيق ذلك، يُعدّ التصميم التجريبي الذي تُوزّع فيه العينات عشوائياً على المجموعتين مثالياً. إلا أن هذه الطريقة غالباً ما تكون غير قابلة للتطبيق عند التعامل مع البشر أو القضايا الاجتماعية.
نظراً لهذه الصعوبات، تُستخدم الأساليب شبه التجريبية بكثرة في الحالات التي يتعذر فيها استخدام الأساليب التجريبية. وتُعدّ طريقة الفرق في الفروق (DID) من أكثر هذه الأساليب شبه التجريبية شيوعاً. تقيّم هذه الطريقة أثر حدثٍ ما عن طريق طرح التغير المُلاحَظ في المجموعة الضابطة من التغير المُلاحَظ في المجموعة التجريبية. ويستند هذا التقييم إلى افتراض وجود اتجاهات متوازية، والذي يفترض أنه حتى في غياب الحدث، سيحدث تغيرٌ بنفس المقدار في المجموعة التجريبية كما في المجموعة الضابطة. إذا صحّ هذا الافتراض، فلا داعي للتأكد من أن الظروف السابقة للحدث في المجموعتين متطابقة في المتوسط.
لا تقتصر فائدة أسلوب الفرق في الفروق على علم الاقتصاد فحسب، بل تشمل أيضًا العديد من الدراسات في العلوم الاجتماعية. وبالنظر إلى أصوله التاريخية، يُعرف أن جون سنو كان أول من استخدم هذا الأسلوب عام 1854. ركز سنو على سكان منطقة واحدة في لندن كانوا يتلقون المياه من شركتين مختلفتين. من بين الشركتين اللتين تستخدمان المصدر نفسه، غيّرت إحداهما مصدرها، ومع ذلك لم يكن السكان على دراية بالشركة التي تزودهم بالمياه. قارن سنو التغيرات في معدلات وفيات الكوليرا قبل وبعد تغيير مصدر المياه بين السكان الذين تغير مصدرهم والذين لم يتغير، وخلص إلى أن الكوليرا تنتقل عبر الماء وليس الهواء. يُظهر هذا أن أسلوب الفرق في الفروق يُمكن أن يكون أداة فعالة ليس فقط في التحليل الاقتصادي، بل أيضًا في مجالات أخرى كالصحة العامة. في علم الاقتصاد، استُخدم هذا الأسلوب لأول مرة في عشرينيات القرن العشرين لتقييم آثار تطبيق قوانين الحد الأدنى للأجور.
مع ذلك، عند استخدام طريقة الفرق في الفروق، من الضروري التحقق من تحقق الافتراض الأساسي للاتجاهات المتوازية. فإذا لم يتحقق هذا الافتراض، سيؤدي تطبيق طريقة الفرق في الفروق إلى تقييم غير دقيق لأثر المعالجة. على سبيل المثال، عند تقييم أثر برنامج تدريب العمال على زيادة فرص العمل، لن يتحقق افتراض الاتجاهات المتوازية إذا كانت نسبة العمال في القطاعات التي تشهد خسائر سريعة في الوظائف أعلى في المجموعة التجريبية مقارنةً بالمجموعة الضابطة. ومع ذلك، فإن مجرد اختيار مجموعة التدخل من فترة ما قبل الحدث كمجموعة مقارنة لزيادة التشابه الإحصائي بين العينات لا يضمن تحقق افتراض الاتجاهات المتوازية. وذلك لأنه بالنسبة للتغيرات الحساسة للتقلبات الاقتصادية - كالتوظيف - قد يكون تزامن التغيرات أكثر أهمية لتحقيق هذا الافتراض من التشابه الإحصائي بين العينات.
لزيادة موثوقية تطبيق أسلوب الفرق في الفروق، من المهم للباحثين إنشاء مجموعات مقارنة متعددة والتحقق من اتساق نتائج التقييم المُستخلصة من تطبيق الأسلوب على كل مجموعة. تُعزز هذه الأساليب موثوقية التقييمات باستخدام أسلوب الفرق في الفروق. علاوة على ذلك، فإن إنشاء مجموعات مقارنة تُظهر تشابهًا إحصائيًا عاليًا مع المجموعة التجريبية عبر مختلف الخصائص يُقلل من احتمالية انتهاك فرضية الاتجاهات المتوازية. تبرز أهمية هذه الأساليب بشكل خاص في بحوث العلوم الاجتماعية، حيث يصعب تطبيق الأساليب التجريبية.
تُعدّ طريقة الفرق في الفروق أداة تحليلية فعّالة يُمكن استخدامها في مجالاتٍ مُتعددة، منها تقييم أثر السياسات، وتقييم استراتيجيات إدارة الشركات، وتحليل فعالية البرامج التعليمية. مع ذلك، قبل تطبيقها، من المهمّ دراسة صحة فرضية الاتجاهات المتوازية بدقة، واستخدامها، عند الضرورة، بالتزامن مع طرقٍ تكميلية أخرى.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.