هل يمكننا حقًا التواصل مع أي شخص في العالم بست خطوات فقط؟

في هذه المدونة، نستكشف أسرار هذه الروابط من خلال التجارب العلمية وتحليل البيانات لتحديد ما إذا كانت نظرية "ست درجات من الانفصال" - التي نشأت في العلاقات الإنسانية غير المتصلة بالإنترنت - لا تزال صحيحة في العالم الرقمي وشبكات الويب.

 

في رواية "سلاسل" للكاتب المجري الشهير فريجيس كارينثي، يقول بطل الرواية: "بإمكاني التواصل مع أي شخص في العالم من خلال سلسلة من خمسة معارف". ويشرح أنه يستطيع حتى التواصل مع عامل في شركة فورد لم يلتقِ به قط، واصفًا العملية كالتالي: "في العام الماضي، التقيت بصديق يُدعى باستوري. يصادف أن باستوري يعرف مسؤولًا تنفيذيًا في دار نشر هيرست. هذا المسؤول التنفيذي يعرف رئيس شركة فورد، والرئيس على صلة بمدير في الشركة. وهذا المدير يعرف عاملًا في المصنع معرفة جيدة. لذا، يمكنني أن أطلب من هذا العامل أن يصنع السيارة التي أريدها".
رغم أن هذه الرواية لم تحظَ باهتمام جماهيري كبير في ذلك الوقت، واختفت عن الأنظار، إلا أن فكرة إمكانية ربط جميع سكان العالم عبر "خمس درجات من التباعد" كانت فكرةً بالغة الأهمية. وقد شكّلت هذه الفكرة لاحقًا نقطة انطلاق لمفهوم "ست درجات من التباعد". وبعد نحو ثلاثين عامًا، وتحديدًا في عام ١٩٦٧، أعاد عالم النفس بجامعة هارفارد، ستانلي ميلغرام، دراسة هذه النظرية تجريبيًا.
أجرى ميلغرام "تجربة توصيل الرسائل" لقياس مدى قرب أي شخصين في الولايات المتحدة. طلب ​​من سكان مدن مثل ويتشيتا، كانساس، وأوماها، نبراسكا، توصيل رسالة إلى امرأة معينة في ماساتشوستس. ولكن بدلاً من توصيلها مباشرة، طُلب منهم اختيار أحد معارفهم ممن يرونه الأنسب لتوصيلها. يقوم هذا المعارف بدوره بتمرير الرسالة إلى شخص آخر مناسب، وتكتمل التجربة بوصول الرسالة إلى المستلم النهائي بهذه الطريقة.
بعد استبعاد الرسائل التي لم تصل إلى وجهتها، كشف تحليل عدد الوسطاء اللازمين لتسليم الرسالة عن متوسط ​​يبلغ حوالي 5.5 أشخاص. يتطابق هذا الرقم تقريبًا مع الفرضية الأصلية؛ ولأنه يُقرّب إلى 6، فقد أصبح أساس مصطلح "ست درجات من التباعد". تُظهر هذه النتيجة أن المسافة الاجتماعية أقصر بكثير مما قد نتصور.
هل ينطبق هذا المفهوم على البيئة الرقمية؟ طبّق ألبرت-لازلو باراباسي، العالم بجامعة نوتردام، فكرة ميلغرام على الفضاء الافتراضي للويب. سعى إلى قياس المسافة بين المواقع الإلكترونية، أي عدد النقرات اللازمة للتنقل من صفحة ويب إلى أخرى. على سبيل المثال، ترتبط صفحة أحد طلابه مباشرةً بصفحته، ما يسمح بالوصول إليها بنقرة واحدة. مع ذلك، تطلّب الوصول إلى صفحة فيلسوف تم اختياره عشوائيًا حوالي 12 نقرة في المتوسط.
كشف تحليلٌ لشبكة جامعة نوتردام الداخلية بأكملها أن متوسط ​​عدد النقرات بين المستندات يبلغ حوالي 11 نقرة. والمثير للدهشة أن هذه المسافة كانت أقصر بكثير من المتوقع. بالطبع، لا تمثل شبكة جامعة نوتردام سوى جزء صغير من الإنترنت بأكمله. ففي عام 1999، كان حجم الإنترنت بأكمله أكبر من ذلك بثلاثة آلاف مرة على الأقل. فهل يعني هذا أن عدد النقرات بين صفحتين ويب تم اختيارهما عشوائيًا على الإنترنت سيصل إلى 33 ألف نقرة؟
وللتحقق من ذلك، قدم باراباسي طريقة أخذ العينات. قام أولاً بتحليل وحدات صغيرة تتكون من 10 عقد (مستندات) على الويب، ثم قاس متوسط ​​المسافة بين أي عقدتين داخل تلك الوحدات.
ثم قام بتوسيع حجم العينة إلى 100 و1,000 و10,000 عقدة، وقاس متوسط ​​المسافة بنفس الطريقة، وتأكد من أنه حتى مع ازدياد عدد العقد، ظل معدل الزيادة في المسافة منخفضًا للغاية. ويمكن التعبير عن هذا الاتجاه رياضيًا باستخدام صيغة محددة.
استنادًا إلى نتائج هذا التحليل، أصبح من الممكن التنبؤ بمتوسط ​​عدد النقرات بين المستندات بمجرد معرفة العدد الإجمالي لمستندات الويب. ووفقًا لدراسة استقصائية أجراها معهد أبحاث NEC، بلغ عدد مستندات الويب في نهاية عام 1999 حوالي مليار مستند (عقدة). وبتطبيق هذا على النموذج، نستنتج أنه في المتوسط، يمكن ربط أي مستندين على الويب بحوالي 19 نقرة فقط.
على الرغم من أننا نتصور الإنترنت عادةً على أنه واسع ومعقد، إلا أن المسافة بين وثيقة وأخرى قصيرة جدًا في الواقع. وهذا يعني أن الإنترنت عالم صغير أيضًا، وأن بنية ربط المعلومات مترابطة بشكل محكم بشكلٍ مدهش. في النهاية، يُعد هذا مثالًا يُظهر أن نظرية "ست درجات من التباعد" صحيحة ليس فقط في العالم الواقعي، بل أيضًا في العالم الرقمي.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.