لماذا ننفق المال على "صورة" الطعام بدلاً من الطعام نفسه؟

في هذه المدونة، سنستكشف المعنى الكامن وراء الصور والرموز المضمنة في استهلاك الطعام، بالإضافة إلى سبب وضعنا قيمة عالية لتلك الصور.

 

إنّ الطعام ليس مجرد وسيلة للبقاء، بل هو عنصر حيوي يحمل في طياته رموزًا ثقافية واجتماعية. فبينما يعتمد الإنسان غريزيًا على الطعام للحفاظ على حياته، فإنه يضفي عليه أيضًا معاني وقيمًا متنوعة. فنحن لا نأكل لمجرد ملء بطوننا، بل نستخدم أنواعًا محددة من الطعام للتعبير عن أنفسنا وإظهار مكانتنا الاجتماعية. وبهذا، يرتبط الطعام ارتباطًا وثيقًا بحياتنا اليومية، وتزداد المعاني الكامنة فيه تعقيدًا يومًا بعد يوم.
عندما نأكل، لا نستهلك الطعام نفسه فحسب، بل نستهلك أيضًا الصورة المرتبطة به. ومع ازدياد وفرة الطعام وتوسع حضوره الإعلامي، يتحول هذا التوجه إلى ظاهرة اجتماعية بارزة. يُعدّ القهوة المثال الأبرز على هذه الثقافة البصرية المحيطة بالطعام. لا شك أن الجميع قد فوجئوا بأسعار القهوة ولو لمرة واحدة. فمع وصول سعر الكوب في بعض سلاسل المقاهي إلى أكثر من 4 دولارات، يتزايد الاعتقاد بأن القهوة باهظة الثمن. ورغم هذا الاعتقاد، يزدهر عدد هائل من المقاهي في كوريا، ويسهل العثور على مقهى أينما ذهبت. وهذا دليل على وجود طلب كبير على القهوة.
فلماذا ندفع من 4 إلى 5 دولارات مقابل فنجان قهوة؟ قد يجادل البعض بأن السعر ليس باهظًا عند احتساب التكاليف التشغيلية وأجور العمال والإيجار. مع ذلك، وبالنظر إلى ارتفاع الأسعار حتى مقارنةً بمتاجر التجزئة الأخرى في المنطقة نفسها، يصعب قبول هذا التفسير وحده. حتى لو تجاهلنا أسباب شرب القهوة، كدفع ثمن الجلوس أو مكان للحديث، وأخذنا في الاعتبار الطلبات الخارجية - التي تمثل نسبة كبيرة من المبيعات - فإن سعر القهوة لا يزال لا يفسر التكلفة بالكامل. في النهاية، ندفع مبلغًا باهظًا مقابل قهوة لا تتجاوز قيمتها تكلفة الطعام.
لا يقتصر هذا الجانب "المرتبط بالصورة" في الطعام على القهوة وحدها، بل ينطبق الأمر نفسه، على سبيل المثال، على الأطباق التي تُقدم في بعض المطاعم. فنحن نتأثر بشكل كبير ليس فقط بمذاق وجودة الطبق نفسه، بل أيضاً بالبيئة التي يُقدم فيها، والأجواء التي نعيشها هناك، والصورة التي يُوحي بها المكان. إن تناول وجبة من إعداد طاهٍ مشهور أو وجبة في مطعم عصري يُقدم تجربة تتجاوز مجرد وجبة طعام، مما يجعلنا على استعداد لدفع المزيد مقابل هذه التجربة. تُغير هذه الظاهرة أنماط استهلاك الطعام في المجتمع، وتدفع المستهلكين إلى البحث عن قيمة تتجاوز مجرد وجبة طعام.
إذن، ما الذي ندفع ثمنه تحديدًا؟ لماذا نحمل غالبًا كوب قهوة عند التقاط الصور في أماكن أنيقة، ولماذا تحرص بعض النساء على حمل كوب ستاربكس ووضعه في مكان يراه الآخرون؟ هل يُعقل أن يكون هذا محاولةً لإظهار صورة امرأة عصرية أنيقة تتنقل بسرعة حاملةً قهوة جاهزة في يدها وسط روتينها اليومي المزدحم؟ في الواقع، من المستحيل إثبات أن الصور تؤثر على استهلاك الطعام بشكل موضوعي. مع ذلك، لا أعتقد أن هناك خلافًا كبيرًا حول وجود هذه الظاهرة.
رغم أنني وصفت هذه الظاهرة بأسلوب فكاهي، فإنّ تصوير الطعام ليس بالضرورة أمرًا سيئًا. فباعتباره عنصرًا من عناصر فن الطهي يحتل مكانةً بارزةً في ثقافتنا، أصبح تصوير الطعام ظاهرةً لا يمكن إيقافها في عصرنا، حتى قبل أن نتمكن من الحكم على جودتها. وطالما يظهر الطعام في المسلسلات التي نشاهدها، وطالما أن لكل طبقة اجتماعية أطعمتها المفضلة، فإن هذه الظاهرة لا يمكن إيقافها. في هذه الحالة، بدلًا من مقاومة هذه الظاهرة، أليس من الأفضل تقليل آثارها الجانبية وتوجيهها نحو مسار أكثر إيجابية؟
في نهاية المطاف، باتت طريقة استهلاكنا للطعام تتمحور بشكل متزايد حول الصورة. وهذا بالطبع ينطوي على خطر طمس جوهر الطعام وقيمته. يجب ألا ننسى أن الطعام مُعدٌّ أساسًا للبشر، وأن المذاق والقيمة الغذائية هما جوهره. في الوقت نفسه، يجب ألا نغفل حقيقة أن الطعام في مجتمعنا المعاصر أصبح رمزًا ثقافيًا واجتماعيًا يتجاوز مجرد كونه غذاءً. يكمن الحل في إيجاد توازن وسط هذه التغيرات. عند تناول الطعام، يُعدّ تحقيق التوازن بين صورته وجوهره السبيل الأمثل لخلق ثقافة غذائية تُرضينا حقًا.
ما يقلقني هو أنه إذا ما ازداد تأثير هذه الصور على قراراتنا الغذائية، فقد تتشوه القيمة الجوهرية للطعام. ماذا لو تعمّد النبيذ تجنّب الأذواق الشائعة سعياً وراء أن يصبح مشروباً "فاخراً"؟ ماذا لو ارتفع سعر القهوة لمجرد تحسين صورة الناجحين؟ علينا أن نبقى متيقظين لمثل هذه التوجهات. إذا أدركنا هذه الظواهر، ألا يُمكننا تجنّب الوصول إلى وضعٍ لا نجد فيه، حين نبحث عن طعام لذيذ وبأسعار معقولة، أيّ خيارٍ آخر؟

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.