لماذا نشعر بالاكتئاب عند حلول فصل الشتاء؟ كيف تؤثر التغيرات الموسمية على أجسامنا وعقولنا؟

ما الذي يجعلنا نشعر بالاكتئاب في فصل الشتاء؟ نستكشف آثار التغيرات الموسمية على صحتنا الجسدية والنفسية، بالإضافة إلى الأسباب العلمية الكامنة وراءها.

 

مع غروب شمس الصيف الحارقة وانتقالنا تدريجيًا إلى أيام الخريف الباردة، يزداد عدد الأشخاص الذين يُبلغون عن أعراض الاكتئاب أكثر من المعتاد. هذه مشكلة خطيرة لا يمكن تجاهلها باعتبارها مجرد تقلب مزاجي عابر، وهي تحظى باهتمام متزايد مع تنامي الاهتمام بالصحة النفسية في المجتمع الحديث. على وجه الخصوص، تُضفي العديد من الأعمال الأدبية والأغاني الشعبية، التي تدور أحداثها في فصلي الخريف والشتاء، جوًا من الكآبة من خلال تصويرها لأوراق الشجر المتساقطة والرياح الباردة، مما يُبرز تأثير هذه التغيرات الموسمية على مشاعر الناس. وبطبيعة الحال، ينظر الكثيرون إلى الخريف والشتاء على أنهما فصلان من العزلة.
ليس من النادر العثور على أشخاص يعانون من اكتئاب حاد ومستمر استجابةً للتغيرات الموسمية؛ تُصنف هذه الحالة باسم "الاضطراب العاطفي الموسمي". وتترافق هذه الحالة بشكل أساسي مع أعراض مثل الشعور المستمر بالاكتئاب، وانخفاض النشاط، وفرط النوم، وانخفاض الرغبة الجنسية، وزيادة الشهية، وزيادة الوزن؛ والجدير بالذكر أن حوالي 83% من المرضى من النساء. وفي الوقت نفسه، في عام 1991، قُدّر أن حوالي 16.2% من سكان سيبيريا وألاسكا يعانون من الاكتئاب الموسمي، وفي عام 2004، كُشف أن حوالي 5.35% من إجمالي سكان أستراليا يعانون من هذه الحالة. يدل هذا على أن الاضطراب العاطفي الموسمي ليس مجرد حالة عاطفية يعاني منها عدد قليل من الناس، بل هو حالة كان لها تأثير كبير على الصحة النفسية للناس في جميع أنحاء العالم.
مع ذلك، هل يُعدّ الاضطراب العاطفي الموسمي مجرد نتاج للصور البصرية والحسية الكئيبة المرتبطة بفصل الشتاء؟ للأسف، لا يُعرف الكثير عن الأسباب المباشرة والآليات العلمية لهذا الاضطراب. إلا أن العلماء أضافوا مؤخرًا أدلة تدعم نظرية أن الاضطراب العاطفي الموسمي حالة ناتجة عن خلل في تنظيم الجسم لإفراز السيروتونين والميلاتونين.
لنبدأ بدراسة العلاقة بين التغيرات الموسمية وإفراز الهرمونات، ولنستكشف التأثير المحتمل للسيروتونين والميلاتونين على الاكتئاب. ترتبط التغيرات الموسمية ارتباطًا مباشرًا بتغيرات كمية الطاقة الشمسية التي تصل إلى سطح الأرض. يمكن تعريف الفصول بأنها مجموعة الظواهر الجوية العامة التي تتغير تبعًا لدرجة تعرض نقاط مختلفة على سطح الأرض لأشعة الشمس أثناء دورانها حولها. بالإضافة إلى هذه الحركة المدارية، يُسهم دوران الأرض حول محورها المركزي بزاوية تقارب 66.5 درجة بالنسبة لمستوى مدارها في تحديد التغيرات الموسمية. وبناءً على دورة الأرض المدارية التي تستغرق عامًا واحدًا، تشهد مناطق نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي ارتفاعات شمسية متفاوتة عند الظهيرة، وأطوال نهار مختلفة تبعًا للفصل. كلما ارتفع مستوى الشمس عند سمتها، زادت الطاقة الشمسية التي يتلقاها موقع معين؛ ويكون هذا التأثير أكثر وضوحًا في فصل الصيف، بينما يكون أضعف ما يكون في فصل الشتاء.
في الوقت نفسه، يُعد الميلاتونين هرمونًا تُنتجه الغدة الصنوبرية، وهي غدة صماء تقع في الدماغ البيني، ويساعد الجسم على التكيف بمرونة مع الليل والنهار. ويلعب دورًا بالغ التعقيد في تنظيم الجسم للإيقاعات اليومية؛ إذ ينظم الميلاتونين حساسية الخلايا الصبغية في الجلد والشبكية للضوء. آلية التنظيم بسيطة: فبزيادة أو نقصان إنتاجه بمرور الوقت، تزداد أو تنقص وظائف فسيولوجية أخرى. هنا، يُنظم إنتاج الميلاتونين بشكل أساسي بواسطة الإيقاع اليومي، وهو دورة داخلية طبيعية للجسم. وينبع هذا من حقيقة أن عملية الأسيتلة النيتروجينية - إحدى خطوات تخليق الميلاتونين - تعتمد على الإيقاع اليومي. الأسيتلة النيتروجينية هي تفاعل يتم فيه استبدال ذرة هيدروجين في مركب عضوي يحتوي على مجموعة أمينية (-NH2) بمجموعة أسيتيل (CH3CO-). يُنتَج الميلاتونين من السيروتونين، وهو هرمون آخر يُفرز من الغدة الصنوبرية، عبر خطوتين: الأستلة النيتروجينية والمثيلة الأكسجينية. وبما أن الأستلة النيتروجينية تفاعلٌ ينشط قرب منتصف الليل، فإن الميلاتونين يُنتَج أيضاً ليلاً.
يختلف تعريف "الليل" هنا باختلاف الفصول. تستشعر أجسامنا تغيرات مستويات الضوء بمرور الوقت لتنظيم إيقاعها اليومي. لذا، حتى في نفس الوقت من اليوم، إذا تعرضت أجسامنا لضوء أكثر من ذي قبل، يقل إنتاج الميلاتونين. وبينما يُقال إن متوسط ​​وقت بدء إفراز الميلاتونين (DLMO) هو الساعة التاسعة مساءً، إلا أنه في فصلي الخريف والشتاء، يبدأ هذا الإفراز مبكرًا ويتأخر وقت انتهائه، مما يؤدي إلى زيادة إجمالي الإفراز. وعلى عكس الميلاتونين، يُحفز الضوء إنتاج السيروتونين. لذلك، خلال فصلي الخريف والشتاء عندما تكون الأيام أقصر، ينخفض ​​إجمالي كمية السيروتونين المُفرزة.
إذن، ما هي العلاقة بين مستويات إفراز السيروتونين والميلاتونين المتغيرة موسمياً؟ السيروتونين نوع من النواقل العصبية، وانخفاضه يُسبب نوعاً من الخلل في النقل العصبي. ورغم أن الآلية الدقيقة وراء ذلك لم تُفهم تماماً، فقد توصل الأطباء، من خلال تحليل العديد من المرضى وتجربة العلاجات المختلفة، إلى أن انخفاض السيروتونين يرتبط بالاكتئاب، وقلة التواصل الاجتماعي، وفقدان الشهية. من جهة أخرى، الميلاتونين هرمون يُحفز النوم ويُخفض درجة حرارة الجسم. في فصلي الخريف والشتاء، ينخفض ​​نشاط السيروتونين بينما يزداد نشاط الميلاتونين. وهذا يُشير إلى أن الناس عموماً يُعانون من تقلبات مزاجية، بينما تؤدي فترات النوم الأطول إلى انخفاض النشاط البدني. بالطبع، لم تُحدد بعد الآلية المباشرة التي يؤثر بها السيروتونين والميلاتونين على الاكتئاب. مع ذلك، إذا كانت التغيرات الموسمية تنطبق هنا، يُمكننا التكهن بأن لهذه الهرمونات نوعاً من الارتباط بهذه الحالة.
مع تقدم العلم الحديث، تم تحديد أسباب وعلاجات العديد من الأمراض الجسدية. ومع ذلك، لا تزال الأسباب العلمية للاضطرابات النفسية غامضة إلى حد كبير، باستثناء الحقائق التجريبية. هل العلم هو المفتاح الوحيد لحل لغز العقل البشري؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل عقولنا محكومة بأجسادنا وبيئتنا؟ من غير الواضح ما إذا كان سيأتي وقت نتمكن فيه من تقديم إجابة واحدة لهذه الأسئلة القديمة. ولكن في الوقت الحالي، على الأقل فيما يتعلق بالاضطراب العاطفي الموسمي، اكتشفنا، من خلال أسس العلم وقاعدة التجربة، أن الهرمونات تعمل كحلقة وصل. آمل أنه مع تحديد المزيد من هذه الروابط، سيتمكن الكثير من الناس من التحرر من الضيق العاطفي الذي يصاحب فصل الشتاء.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.