تستكشف هذه المقالة كيفية اختيار الخلايا في المرحلة الجنينية المبكرة لمصائر مختلفة بناءً على التفاعلات بين العوامل الرئيسية مثل OCT4 و CDX2، بالإضافة إلى الاختلافات في توزيع المواد التي تحدد ثنائية القطبية.
تنشأ الخلايا التي لا تُحصى في أجسامنا من الزيجوت، وهي خلية واحدة تتكون من إخصاب البويضة بالحيوان المنوي، عبر انقسام خلوي متكرر. في الثدييات، خلال مرحلة الكيسة الأريمية المبكرة، المتكونة من انقسام خلايا الزيجوت، تنفصل خلايا الأديم الظاهر المغذي - التي تُصبح لاحقًا جزءًا من المشيمة - عن الكتلة الخلوية الداخلية المحيطة بها. تتميز هذه الكتلة الخلوية الداخلية بقدرتها على التمايز إلى جميع أنواع خلايا الجنين. فكيف تتكون هذه الكتلة الخلوية الداخلية؟
تخضع البويضة المخصبة لثلاث دورات انقسام خلوي تقريبًا لتصل إلى مرحلة الثماني خلايا، التي تتكون من ثماني خلايا كروية. ثم تخضع لعملية انضغاط مصحوبة بتغيرات شكلية، لتصبح ثمرة التوتية (مورولا) المكونة من ثماني خلايا. في المرحلة التالية، تتحول البلاستولة المكونة من ثماني خلايا إلى بلاستولة مكونة من ست عشرة خلية من خلال الانقسام المتساوي والانقسام التفاضلي. يشير الانقسام المتساوي إلى الانقسام الذي ينتج عنه خليتان متطابقتان، بينما يشير الانقسام التفاضلي إلى الانقسام الذي ينتج عنه خليتان مختلفتان. تتحول بعض خلايا الكيسة الأريمية المكونة من ثماني خلايا إلى الخلايا التي تُشكل الطبقة الخارجية للكيسة الأريمية المكونة من ست عشرة خلية من خلال الانقسام الحافظ. أما الخلايا المتبقية فتخضع لانقسام تمايز، فتنقسم إلى خلية واحدة للطبقة الخارجية وخلية واحدة للطبقة الداخلية، لتملأ الفراغ الداخلي. وهكذا، تكتسب الكيسة الأريمية المكونة من ست عشرة خلية شكلًا مميزًا بخلايا الطبقة الخارجية والخلايا الداخلية.
في هذه الأثناء، يتكرر نمط الانقسام الخلوي المزدوج هذا داخل الكيسة الأريمية المكونة من 16 خلية، مما يؤدي إلى تكوين الكيسة الأريمية المكونة من 32 خلية. في هذه المرحلة، تتمايز خلايا الطبقة الخارجية إلى خلايا الأديم الظاهر المغذي التي ستشكل لاحقًا الكيسة الأريمية المبكرة، بينما تتمايز الخلايا الداخلية إلى الخلايا التي ستشكل الكتلة الخلوية الداخلية. السؤال الرئيسي هنا هو كيف تتمايز الخلايا إلى أنواع مختلفة من الخلايا في مرحلتي الكيسة الأريمية المكونة من 16 خلية و32 خلية.
طُرحت فرضيتان رئيسيتان. أولاً، تُفسر "فرضية الداخل والخارج" أن الخلية الواحدة تتمايز بطرق مختلفة بناءً على درجة اتصالها بالخلايا المجاورة واختلاف تعرضها للبيئة الخارجية. أي أن الخلايا الموجودة في عمق الكيسة الأريمية تتصل بالخلايا المجاورة بشكل أكبر من الخلايا السطحية، ولا تتعرض مباشرة للبيئة الخارجية. ويُعتقد أن هذا الاختلاف هو ما يدفع الخلايا العميقة والسطحية إلى التمايز إلى أنواع خلوية متميزة.
مع ذلك، أدى اكتشاف أن مواد معينة تتوزع بشكل غير متناظر داخل الخلايا أثناء عملية الانضغاط في مرحلة الكيسة الأريمية ذات الثماني خلايا إلى اقتراح فرضية ثنائية القطب جديدة. فالمواد التي كانت موزعة بالتساوي داخل الخلايا في البداية، يُعاد توزيعها نحو المناطق الخارجية أو الداخلية بعد الانضغاط. ونتيجة لذلك، تكتسب كل خلية في الكيسة الأريمية ذات الثماني خلايا بنية ثنائية القطب. تُسمى هذه المواد "مواد التحديد ثنائية القطب"، ويكمن جوهر فرضية ثنائية القطب في أن الخلايا تتمايز إلى أنواع متميزة بناءً على نمط توزيع هذه المواد. ووفقًا لهذه الفرضية، عندما تخضع خلايا الكيسة الأريمية ذات الثماني خلايا للانقسام الميتوزي، تحتفظ الخلايا السطحية بتوزيع المادة المستقطبة التي كانت تمتلكها قبل الانقسام. ومع ذلك، تفتقر الخلايا الداخلية المتكونة حديثًا إلى المادة المستقطبة التي كانت مُركزة في الأصل على الجانب الخارجي. ويُفسر هذا الاختلاف بين الخلايا السطحية والداخلية بأنه السبب الذي يؤدي إلى تمايزها إلى أنواع خلوية متميزة.
ركز العلماء على بروتين OCT4، المسؤول عن الحفاظ على القدرة على التمايز إلى أنواع متعددة من الخلايا، وبروتين CDX2، المسؤول عن تكوين الخلايا العصبية، خلال عملية تمايز الخلايا الخارجية والداخلية للكيسة الأريمية. في مرحلة الثماني خلايا من الكيسة الأريمية، يتوزع بروتين OCT4 بالتساوي في جميع الخلايا، بينما لا يتوزع بروتين CDX2 كذلك. ويعود ذلك إلى وجود جزء من المادة البلورية ثنائية القطب في المناطق الخارجية للخلايا فقط، مما يؤدي إلى تركيز بروتين CDX2 في هذه المناطق. لاحقًا، وبحلول مرحلة الست عشرة خلية، يختفي بروتين OCT4 تدريجيًا من الخلايا الخارجية، بينما يتلاشى بروتين CDX2 المتبقي في الخلايا الداخلية تدريجيًا. ويحدث هذا لأن بروتين CDX2 يثبط التعبير عن بروتين OCT4 في الخلايا الخارجية، والعكس صحيح.
في الوقت نفسه، دُرست مسارات إشارات "هيبو"، التي تثبط وظيفة المواد المحفزة لتعبير CDX2، باعتبارها ظاهرة حاسمة مرتبطة بهذه العملية. ووفقًا لهذه الآلية، تنشط إشارات هيبو، الموجودة في جميع خلايا الجنين في مرحلة الـ 16 خلية، عند زيادة مساحة التلامس مع الخلايا المحيطة، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات CDX2. تُظهر هذه النتائج أن التفاعل بين CDX2 وOCT4 عامل رئيسي في تحديد المصائر المتباينة للخليتين الناتجتين عن التمايز والانقسام. وقد كشفت دراسات حديثة أن هذه الآلية المعقدة مرتبطة أيضًا ارتباطًا وثيقًا بالاختلافات في القوى الميكانيكية داخل الخلايا، والتنظيم فوق الجيني، وإشارات فسفرة البروتين. وهذا يؤكد أن عملية تحديد مصير الخلية خلال التطور الجنيني المبكر هي نتاج تفاعلات بالغة التعقيد.