في هذه التدوينة، سنقوم بمقارنة التأثيرات البيئية للنفط والكتلة الحيوية واستكشاف إمكانات الكتلة الحيوية كمصدر للطاقة المستدامة والمحايدة للكربون.
توقف عما تفعله وانظر حولك. من بين الأشياء الكثيرة المحيطة بك، كم منها ليس بتروكيماويات؟ الملابس التي ترتديها، ومكونات الكمبيوتر المحمول، وحبر الطابعة - معظم هذه الأشياء إما منتجات بتروكيماوية بحد ذاتها أو لا تعمل بشكل صحيح بدونها. لا مبالغة في القول إن المجتمع الحديث يعتمد كليًا على النفط. فمعظم المنتجات التي نستخدمها يوميًا تعتمد على البتروكيماويات، مما يؤثر بشكل كبير على حياتنا وعلى الاقتصاد ككل.
يزداد هذا الاعتماد على النفط في قطاع الوقود. فالنفط لا يُستخدم فقط في النقل - سيارات وطائرات وسفن - بل يُستخدم أيضاً كمادة خام أساسية لتوليد الطاقة. ومع ذلك، يُثير البترول العديد من المشاكل عند استخدامه كوقود. من أبرزها أن احتراقه يُنتج مواد مثل ثاني أكسيد الكربون، وأول أكسيد الكربون، وأكاسيد النيتروجين، وأكاسيد الكبريت، والهيدروكربونات، التي تُساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري وتُسبب تلوث الهواء. ولا تقتصر هذه المشاكل على المخاوف البيئية فحسب، بل تُشكل تهديداً مباشراً لبقاء الإنسان. إضافةً إلى ذلك، توجد العديد من المشاكل الأخرى المتعلقة بالتلوث البيئي. علاوةً على ذلك، تبقى مشكلة نضوب البترول كمورد محدود سيُستنفد في نهاية المطاف. لذلك، نشعر بضرورة إيجاد موارد بديلة للبترول لا تُلوث البيئة. فما هي هذه الموارد البديلة للبترول؟
من البدائل الناشئة كخيار عملي الكتلة الحيوية. يُتوقع أن تحل الكتلة الحيوية محل البترول، وتُستخدم حاليًا بشكل أساسي كوقود للنقل. تُعرف طاقة الكتلة الحيوية بأنها مصدر طاقة محايد للكربون، إذ تعيد ثاني أكسيد الكربون الممتص أثناء نمو النبات إلى الغلاف الجوي، مُكملةً بذلك دورة الكربون. هذا يعني أنها مصدر طاقة لا يزيد من مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، مما يجعلها بديلاً بارزًا لمعالجة أزمة الطاقة الحالية والمشاكل البيئية.
يُعدّ الإيثانول الحيوي أحد أشكال طاقة الكتلة الحيوية، ويُمثّل 80% من وقود النقل الحيوي. وتتزايد أهميته بفضل معيار الوقود المتجدد (RFS) الذي طبّقته العديد من الدول حول العالم، والذي يُلزم بمزج ما يصل إلى 10% من الإيثانول الحيوي مع وقود النقل. يُتيح هذا الإيثانول الحيوي إمكانية استبدال الوقود الأحفوري، مُرسّخًا مكانته كركيزة أساسية لحماية البيئة وسياسة الطاقة المستدامة.
يُنتج الإيثانول الحيوي من ثلاثة أنواع رئيسية من المواد الأولية: السكرية، والنشوية، واللجنين السليلوزي. وتتطلب عملية الإنتاج عمليات إضافية بحسب نوع المادة الأولية. أولًا، يمكن استخدام المواد الأولية السكرية، مثل قصب السكر وبنجر السكر، كوقود كحولي بعد خضوعها لعمليتي التخمير والتنقية. تتضمن عملية التخمير استخدام الكائنات الدقيقة لتخمير السكر المستخلص من المادة الأولية لإنتاج الإيثانول. أما التنقية فهي عملية تبخير الماء من محلول الإيثانول والماء لإنتاج كحول عالي التركيز. هاتان العمليتان بسيطتان نسبيًا، مما يجعل إنتاج الإيثانول من المواد الأولية السكرية فعالًا واقتصاديًا.
بالنسبة للمواد الأولية النشوية، مثل الذرة والقمح، تُضاف خطوة التحلل السكري إلى عملية الإنتاج المستخدمة للمواد الأولية السكرية. هذه الخطوة ضرورية لأن المكون الرئيسي للمواد الأولية النشوية هو النشا، على عكس المواد الأولية السكرية التي يكون السكر مكونها الرئيسي. جزيئات النشا كبيرة جدًا بحيث لا تستطيع الكائنات الدقيقة استهلاكها مباشرة، مما يستلزم تحويلها إلى جزيئات جلوكوز أصغر. تُحفز هذه العملية بواسطة إنزيمات، وخاصة الأميليز. بمجرد أن يُحلل إنزيم التحلل السكري النشا إلى جلوكوز، يُنتج الإيثانول الحيوي من خلال عمليات التخمير والتنقية، على غرار تلك المستخدمة للمواد الأولية السكرية. هذه العملية أكثر تعقيدًا بعض الشيء من عملية المواد الأولية السكرية، لكنها تظل مجدية تجاريًا.
تتطلب المواد الخام الليغنوسليولوزية، مثل قش الأرز أو العشب الفضي، خطوة معالجة أولية إضافية قبل الخضوع لعملية النشا. تتكون المواد الخام الليغنوسليولوزية بشكل أساسي من السليلوز، الذي يتميز بتركيب جزيئي كبير جدًا ولا يمكن تحلله بالسكر وحده. كما تحتوي على اللجنين، وهو بوليمر غير قابل للذوبان ومقاوم للحرارة يعيق تحلل عديد السكاريد ويقلل من مساحة سطح النشاط الميكروبي. لذلك، يلزم إجراء كل من عمليتي المعالجة الأولية والسكرية. خلال المعالجة الأولية، يتم إضعاف التركيب الجزيئي من خلال المعالجة الحمضية أو القاعدية في درجات حرارة عالية. بعد ذلك، يتم تحلل السكريات باستخدام إنزيمات مثل السليولاز والزيلاناز. ثم يُنتج الإيثانول الحيوي من خلال عمليات التخمير والتنقية. هذه العملية أكثر تعقيدًا وتكلفة من عمليات المواد الخام الأخرى، مما يجعل تسويقها تجاريًا أمرًا صعبًا في الوقت الحالي.
لقد استعرضنا الآن عملية إنتاج الإيثانول الحيوي. وكما ذكرنا سابقًا، تزداد العملية تعقيدًا وتتطلب خطوات إضافية كلما انتقلنا من المواد الأولية السكرية إلى النشوية ثم إلى الليغنوسليلوزية. وهذا يعني ارتفاع تكاليف العملية، وبالنظر إلى الجدوى الاقتصادية، لا تزال عملية استخدام المواد الأولية الليغنوسليلوزية تواجه تحديات في التسويق التجاري. مع ذلك، فإن للمواد الأولية السكرية والنشوية قيودًا، إذ تعتمد على المحاصيل الغذائية كمواد خام، مما يجعلها مكلفة وغير مجدية اقتصاديًا. ونتيجة لذلك، يجري العمل على تطوير تقنيات لتقليل تكاليف عمليات الليغنوسليلوز، كما يجري تطوير تقنيات تستخدم الأعشاب البحرية كمادة أولية، مما يقلل تكاليف المواد الخام بشكل ملحوظ.
لا تزال تكنولوجيا الكتلة الحيوية تواجه تحديات تقنية، وتتميز بكونها أعلى تكلفة من الوقود الأحفوري كالبترول. ومع ذلك، تتمتع الكتلة الحيوية بإمكانية استبدال البترول، وهو مورد محدود، في وقت تتناقص فيه احتياطيات النفط بشكل متزايد. علاوة على ذلك، وعلى عكس الوقود الأحفوري، فهي وقود متجدد ذو مخاطر تلوث بيئي أقل، مما يجعلها قضيةً متزايدة الأهمية للمستقبل. يُعد تطوير واستخدام مصادر الطاقة البديلة كالكتلة الحيوية أمرًا أساسيًا لتوفير طاقة مستدامة، وهو أمر يرتبط ارتباطًا وثيقًا ببقاء الأجيال القادمة. إلى جانب ذلك، ثمة حاجة ماسة إلى سياسات ودعم تقني لتعزيز كفاءة الطاقة وتقليل الأثر البيئي.