لماذا لم تعد الألعاب الأولمبية رمزاً للتنمية الوطنية؟

تتناول هذه المدونة أسباب تحوّل الألعاب الأولمبية، التي كانت رمزاً للتنمية الوطنية، إلى رمزٍ للتكاليف الباهظة، والعجز الهيكلي، والأعباء التي تُثقل كاهل المواطنين. ونستكشف ذلك من خلال هيكل إيرادات اللجنة الأولمبية الدولية ودراسات حالة من دولٍ مختلفة.

 

كان الفخر الوطني عابراً، لكن آثاره ظلت باقية. يُقال إن استضافة الألعاب الأولمبية مرة واحدة قد تعني عقوداً من سداد الفوائد. لماذا أصبحت الألعاب الأولمبية، التي كانت تُعتبر رمزاً للفخر الوطني، شوكة في خاصرة الوطن؟
قبل بضعة عقود فقط، كان استضافة الألعاب الأولمبية مرادفًا للتنمية الوطنية. وتُعدّ دورة ألعاب سيول الأولمبية عام 1988، على وجه الخصوص، مثالًا بارزًا على هذا النجاح. فقد استغلت سيول الألعاب الأولمبية كفرصة لبناء بنية تحتية واسعة النطاق وتطوير المدينة. في ذلك الوقت، شهد سكان سيول تحول المدينة يوميًا. تم افتتاح نهر هان، وتم إنشاء خطوط مترو الأنفاق، وتعرف العالم على كوريا. خلال الألعاب التي استمرت 16 يومًا، زار 2.9 مليون متفرج المدينة، مما أحدث آثارًا اقتصادية كبيرة. رسّخت كوريا مكانتها في سوق السياحة العالمية، وعززت الاستثمارات الأجنبية، ووطّدت شراكاتها الاقتصادية العالمية. والأهم من ذلك، أن دورة ألعاب سيول الأولمبية منحت كوريا فرصة للاعتراف بها كدولة متقدمة في المجتمع الدولي، إلى جانب نموها الاقتصادي الذي أُطلق عليه اسم "معجزة نهر هان". لقد كانت قدرة الألعاب الأولمبية على تغيير مكانة أي دولة حقيقة واضحة آنذاك.
لكنّ الوضع تغيّر تمامًا الآن. لم يعد السؤال "من سيستضيفها؟" بل "لماذا يجب استضافتها؟". فبينما شهدت 12 مدينة منافسة شرسة لاستضافة أولمبياد أثينا 2004، لم يتبقَّ سوى مدينتين مرشحتين لاستضافة أولمبياد 2024، وهما باريس ولوس أنجلوس. وبشكل غير معتاد، قررت اللجنة الأولمبية الدولية منح شرف استضافة أولمبياد 2024 و2028 في آنٍ واحد. فبينما كانت المنافسة على الاستضافة محتدمة في الماضي، باتت المدن الآن تتجنب المنافسة. ويعود السبب في ذلك إلى الخسائر الهيكلية التي تخلفها الألعاب الأولمبية.
لنأخذ مثالاً بارزاً: بلغت تكاليف دورة الألعاب الأولمبية في مونتريال عام 1976 ثلاثة عشر ضعفاً من الميزانية الأصلية، مما اضطر المواطنين إلى سداد ديون الأولمبياد بعد ثلاثين عاماً. وواجهت دورة الألعاب الأولمبية في أثينا عام 2004 مصيراً مشابهاً. فقد تم ضخ ميزانيات ضخمة في بناء ملاعب وبنية تحتية واسعة النطاق، إلا أن الاستخدام غير الكافي لهذه المرافق بعد انتهاء الدورة جعل العديد منها مهجورة. ورغم وجود آثار إيجابية قصيرة الأجل، مثل تنشيط السياحة وتحسين البنية التحتية، إلا أن العواقب طويلة الأجل تمثلت في تراكم ديون كبيرة وأعباء اقتصادية جسيمة. وقد أشارت منظمات دولية، مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى أن أزمة الدين الوطني في اليونان لم تكن منفصلة عن نفقات الأولمبياد.
شهدت أولمبياد طوكيو 2020 ارتفاعًا هائلًا في ميزانيتها بعد تأجيلها لمدة عام بسبب جائحة كوفيد-19. ووفقًا لهيئة التدقيق اليابانية، بلغت التكلفة الإجمالية للأولمبياد حوالي 1.7 تريليون ين، أو ما يعادل 17 تريليون وون كوري تقريبًا. ويتجاوز هذا الرقم الخطة الأصلية بأكثر من 20%. كما كان الرأي العام في اليابان فاتراً، إذ أظهر استطلاع رأي أجرته هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية (NHK) عام 2021 أن 78% من المواطنين اليابانيين يعارضون استضافة الأولمبياد.
سعت دورة الألعاب الأولمبية في باريس 2024 إلى أن تكون "أولمبيادًا فعالًا من حيث التكلفة" من خلال استخدام 95% من المرافق القائمة وتقليل تجاوزات الميزانية إلى أدنى حد. ومع ذلك، ظهرت صراعات اجتماعية جديدة، بما في ذلك جدل حول التهجير القسري للمهاجرين والمشردين، واتهامات بالتسويق الأخضر الزائف.
يُظهر تحليل هيكل إيرادات الألعاب الأولمبية المشكلة بشكل أوضح. إذ تستحوذ اللجنة الأولمبية الدولية على أكثر من 70% من الأرباح المُحققة من حقوق البث وغيرها من المصادر. في المقابل، تتحمل الدولة المضيفة معظم تكاليف إنشاء البنية التحتية وتشغيلها، والأمن، والنقل، وغيرها. في نهاية المطاف، ترسخ هيكلٌ يقوم على مبدأ "استحواذ اللجنة الأولمبية الدولية على الأرباح بينما تتحمل الدولة المضيفة التكاليف". ومع ازدياد حجم الألعاب الأولمبية، ترتفع رسوم حقوق البث وعائدات الرعاية، وتستحوذ اللجنة الأولمبية الدولية على جزء كبير من هذه الأرباح. وهذا يثير حتمًا تساؤلات حول هوية أصحاب المصلحة الحقيقيين، وما إذا كان هذا الهيكل عادلاً حقًا.
تُعدّ دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس عام 1984، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها ناجحة، حالةً استثنائية. فقد استغلت لوس أنجلوس المرافق القائمة إلى أقصى حد، وجذبت بنشاط رؤوس الأموال الخاصة، مما أسفر عن فائض. في المقابل، تكبّدت معظم المدن التي استضافت الألعاب الأولمبية عجزًا ماليًا نتيجة بناء ملاعب وبنية تحتية جديدة. وتشير اللجنة الأولمبية الدولية إلى المرافق المتبقية بـ"الإرث الأولمبي"، إلا أن الانتقادات لا تزال قائمة، إذ غالبًا ما يؤدي عدم الاستخدام الأمثل لهذه المرافق بعد انتهاء الفعاليات إلى تركها مهجورة، مما يزيد العبء على المواطنين وحدهم.
الآن، لا تقتصر إعادة التقييم على الألعاب الأولمبية فحسب، بل تشمل أيضاً فعاليات دولية كبرى مثل المعارض الدولية وكأس العالم. حتى أن معرض أوساكا الدولي، الذي أقيم قبل أقل من شهر، يوصف بأنه "على وشك الانهيار". وقد تم تناول هذا الموضوع بالتفصيل في فيديو سابق، لذا يُرجى الرجوع إليه.
استثمرت بوسان مئات المليارات من الوون الكوري للتقدم بطلب استضافة معرض إكسبو العالمي 2030، لكنها فشلت في نهاية المطاف. وتسعى الحكومة أيضًا للفوز باستضافة دورة الألعاب الأولمبية الصيفية 2036. أما سيول، بسمعتها الدولية المتميزة وبنيتها التحتية المتطورة، فكان يُنظر إليها غالبًا على أنها الخيار الأنسب. إلا أنه في الجمعية العمومية العادية للجنة الرياضية والأولمبية الكورية لعام 2025، التي عُقدت في فبراير، تم اختيار مقاطعة جيولابوك-دو كمرشح نهائي للمنافسة على استضافة الألعاب الأولمبية. ما هو الرأي العام؟ في الواقع، ثمة شكوك كبيرة حول ما إذا كانت جيولابوك تمتلك البنية التحتية اللازمة لاستضافة الألعاب الأولمبية. علاوة على ذلك، فإن ذكرى مهرجان جامبوري الذي أقيم مؤخرًا في جيولابوك تُؤجج هذا الجدل.
بل إن البعض يثير تساؤلات جوهرية حول استدامة الفعاليات الضخمة كالألعاب الأولمبية والمعارض الدولية. لا تزال العديد من الدول والمدن تتوقع تعزيز مكانتها الوطنية من خلال هذه الفعاليات الكبيرة. إلا أن كميات هائلة من البيانات ودراسات الحالة تكشف الواقع بوضوح.
أولاً، تتجاوز العجوزات الأرباح. تتجاوز معظم الأحداث الكبرى الميزانيات وتتسبب في عجز، ويقع العبء في نهاية المطاف على ضرائب المواطنين.
ثانياً، تتراجع جودة حياة المواطنين. وتشمل الاستعدادات أعمال بناء واسعة النطاق وقيوداً مرورية، مما يؤدي إلى آثار جانبية مثل ارتفاع أسعار العقارات وزيادة الإيجارات.
ثالثًا، تتزايد المنشآت المهجورة. فبعد الألعاب الأولمبية، غالبًا ما تُترك الملاعب والمنشآت التي بُنيت بتكاليف باهظة مهجورة. وفي مدن مثل أثينا وبكين وريو، برزت ظاهرة "الملاعب الأولمبية المهجورة" كمشكلة اجتماعية.
رابعاً، تتنصل المنظمات الدولية من مسؤوليتها. فهيئات مثل اللجنة الأولمبية الدولية والفيفا تجني الأرباح دون أن تتحمل أي مسؤولية عن الآثار الجانبية: العجز، وتعطل المرافق، والعبء الواقع على المواطنين. وفي نهاية المطاف، يقع العبء على عاتق المواطنين.
هل يمكن لتحسينات الصورة الوطنية قصيرة الأجل والمعالم السياحية المؤقتة أن تبرر عقودًا من الأعباء المالية والتكاليف الاجتماعية المتراكمة؟ اليوم، بإمكان محتوى واحد أن يُحدث تغييرًا جذريًا في العالم. قد يكون التأثير الذي يتراكم يوميًا على يوتيوب ونتفليكس أهم من مهرجان واحد. كيف ينظر القراء إلى هذه المسألة؟

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.