لماذا لا نستطيع حل أزمة المناخ معاً رغم أن الجميع يعلم بها؟

تستكشف هذه المدونة أسباب فشل المجتمع الدولي في التعاون على الرغم من الاعتراف العالمي بخطورة أزمة المناخ، وتحلل الأسباب من خلال منظور معضلة السجين، وتضارب المصالح الوطنية، وبنية انعدام الثقة.

 

السبب الحقيقي وراء صعوبة حل أزمة المناخ

على الصعيد العالمي، تتفاقم أزمة المناخ بشكل متزايد. فمع ارتفاع انبعاثات الكربون، يرتفع متوسط ​​درجة حرارة الأرض، مما يؤدي إلى ازدياد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، ويتسبب في أضرار بشرية ومادية جسيمة. وفي تعليقه على هذا الوضع في يوليو/تموز 2023، صرّح الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، أنطونيو غوتيريش، قائلاً: "انتهى عصر الاحتباس الحراري، ودخلنا الآن عصر الغليان العالمي".
في الواقع، شهدت المشكلات البيئية التي تنشأ داخل الدول تحسناً ملحوظاً، وإن لم يكن كاملاً، بفضل جهود السياسات الوطنية ومشاركة المواطنين. إلا أن قضية خفض انبعاثات الكربون تختلف اختلافاً جوهرياً. فهي ليست مشكلة تقتصر على دولة واحدة، بل تحدٍّ مشترك تواجهه جميع دول العالم في آن واحد، وهو تحدٍّ متشابك مع مصالح دولية معقدة. لفهم هذه السمة، نحتاج إلى دراسة هيكل الخيارات المتاحة بين الدول بمزيد من التفصيل.

 

معضلة السجين

لنوضح هذه المشكلة بنموذج بسيط. هناك قريتان يفصل بينهما بحيرة. يتشارك سكان القريتين هذه البحيرة كمصدر لمياه الشرب والمياه الصناعية. مع ذلك، تدهورت جودة مياه البحيرة تدريجيًا بمرور الوقت، مما دفع القريتين إلى مناقشة جدوى تنفيذ مشروع لتنظيفها. ولتسهيل الأمر، لنُسمِّ هاتين القريتين القرية (أ) والقرية (ب).
تبلغ تكلفة تنظيف البحيرة 30 مليون دولار. وفي حال اكتمال عملية التنظيف، ستستفيد كل قرية بمبلغ 20 مليون دولار. تكمن المشكلة في أن البحيرة تمتد عبر القريتين، ما يجعل من المستحيل على أي قرية تنظيف الجزء الخاص بها فقط. وبمجرد بدء عملية التنظيف، ستعم فوائدها على القريتين معًا.
لنفترض أولاً أن القرية (أ) قامت بتنظيف البحيرة بمفردها. في هذه الحالة، تتحمل القرية (أ) تكلفة التنظيف البالغة 30 مليون دولار، لكنها لا تجني سوى 20 مليون دولار من الفوائد. أما عدم القيام بأي شيء فلا ينتج عنه خسارة ولا ربح، بينما اختيار التنظيف يُكبّد القرية خسارة قدرها 10 ملايين دولار. في المقابل، إذا تعاونت القريتان في مشروع التنظيف، تُقسّم التكلفة بالتساوي، حيث تدفع كل قرية 15 مليون دولار، وتجني كل قرية 20 مليون دولار من الفوائد. ونتيجة لذلك، يصبح صافي ربح كل قرية 5 ملايين دولار.
لكن من وجهة نظر القرية (أ)، يوجد خيار آخر. يمكن للقرية (أ) أن تختار عدم القيام بأي شيء وعدم تحمل أي تكاليف، على أمل أن تتولى القرية (ب) عملية التنظيف. إذا قامت القرية (ب) بالتنظيف بمفردها، فستحقق القرية (أ) ربحًا قدره 20 مليون دولار دون دفع أي شيء. وهذا يفوق بكثير صافي الربح البالغ 5 ملايين دولار الذي تحققه من خلال التعاون.
بتطبيق هذا المنطق حتى نهايته، تتضح النتيجة. بغض النظر عن خيار القرية "ب"، فإن عدم القيام بأي شيء يصب في مصلحة القرية "أ". وينطبق العكس أيضاً: أياً كان خيار القرية "أ"، فإن الاستراتيجية المثلى للقرية "ب" هي أيضاً عدم القيام بأي شيء. من منظور الاقتصاد ككل، تبلغ تكلفة مشروع تنظيف البحيرة 30 مليون دولار، ولكنه يحقق ربحاً إجمالياً قدره 40 مليون دولار للقريتين معاً، مما يجعل العمل المشترك الخيار الأمثل. مع ذلك، إذا اعتمدت كل قرية على مصالحها الخاصة فقط، فستبقى البحيرة في نهاية المطاف غير نظيفة.
تُشابه هذه المشكلة بنيويًا معضلة "السجين" الشهيرة في نظرية الألعاب. فبينما كانت في الأصل نموذجًا يصف موقفًا يختار فيه سجينان الاعتراف أو عدمه، فإن تطبيقها على القضايا البيئية يحافظ على بنية الموقف وحوافز الاختيار. وحقيقة أن نتيجة تصرف كل فرد بعقلانية تؤدي إلى نتيجة سيئة للجميع تُقدم رؤى مهمة لفهم المشكلات البيئية.
يُبيّن هذا المثال أنه عندما يُعطي الفاعلون الاقتصاديون الأولوية لمصالحهم الخاصة، لا يتحقق بالضرورة أفضل النتائج للمجتمع ككل. ففي اقتصاد السوق، غالبًا ما تعمل "اليد الخفية" بحيث تزداد الكفاءة الاجتماعية الإجمالية عندما يسعى الأفراد وراء مصالحهم. إلا أن هذه الآلية تفشل في العمل بكفاءة في حالات الاحتكارات أو الآثار الخارجية السلبية، ما يستدعي تدخل الحكومة. وينطبق الأمر نفسه على معضلة السجين، التي دُرست في علم الاقتصاد لفترة طويلة، ما أدى إلى اقتراح حلول متنوعة لها. فأي من هذه الحلول يُمكن تطبيقه على أزمة المناخ ومشكلة انبعاثات الكربون؟

 

كيف يمكن حل معضلة السجين؟

الحل الأبسط والأكثر منطقية هو إبرام عقد وتكليف جهة حكومية بتنفيذه. على سبيل المثال، إذا تدخل محافظ المقاطعة أو الحكومة المركزية لإلزام القريتين بتوقيع اتفاقية تتحمل كل منهما 1.5 مليار وون من التكاليف، وفرض غرامة تتجاوز ملياري وون لعدم التعاون في مشروع التنظيف، فإن الوضع يتغير. في هذه الحالة، تحقق القريتان ربحًا صافيًا قدره 500 مليون وون مقارنةً بعدم القيام بأي شيء، مما يحفزهما على الموافقة على العقد. علاوة على ذلك، بمجرد توقيع العقد، يزداد احتمال تعاونهما بصدق لتجنب العقوبة.
مع ذلك، يصعب تطبيق هذا النهج مباشرةً على القضايا البيئية بين الدول. ففي الدولة الواحدة، توجد حكومة تتمتع بسلطة عامة قادرة على إنفاذ العقود. لكن لا توجد سلطة دولية عامة تتمتع بالقوة الكافية لتحل محل هذه السلطة في سياق العلاقات الدولية. والسبب في ثقة القريتين بالاتفاقية هو ثقتهما بوجود دولة قادرة على إنفاذها في حال انتهاك إحداهما لها، مما سيشجع الأخرى على التعاون. في المقابل، في العلاقات الدولية، يُصعّب غياب آليات إنفاذ الالتزامات المتبادلة بناء الثقة نفسها.
حل آخر هو نهج "الشخص المستعجل يبادر". لنأخذ مثالاً على ذلك مساحة معيشة مشتركة مهملة النظافة، أو مشروع جماعي لا يتولى فيه أحد زمام المبادرة. في مثل هذه الحالات، سيبادر الشخص الذي لا يطيق البيئة المتسخة أو الذي يولي أهمية قصوى للدرجة إلى حل المشكلة. ورغم أن هذه الطريقة قد تبدو غير عادلة، إذ يقع العبء بشكل غير متناسب على أفراد محددين، إلا أنها في نهاية المطاف تحل المشكلة.
إلا أن الوضع يزداد تعقيدًا مع ازدياد عدد المتضررين من المشكلة، ومع تزايد تأثير جهود الأفراد، بحيث لا يقتصر نفعها على الفرد وحده، بل يمتد ليشمل مكاسب وخسائر الجميع. لنأخذ المثال السابق حيث بلغ تلوث البحيرة حدًا خطيرًا، بحيث يُحقق مشروع التنظيف فائدة قدرها 50 مليار وون لكل قرية. في هذه الحالة، حتى لو استثمرت القرية (أ) وحدها 30 مليار وون، فإن الفائدة المحتملة التي تفوق التكلفة تجعلها على الأرجح ستبادر بالمشاركة.
لكن الوضع يختلف تمامًا إذا لم تكن هناك قريتان بل عشر قرى مجاورة للبحيرة. في هذه الحالة، تنخفض الفائدة التي تعود على كل قرية من تنقية البحيرة إلى 10 مليارات وون، مما يجعل من الصعب على أي قرية بمفردها تحمل تكلفة 30 مليار وون. حتى في حال تقاسم القرى العشر للتكلفة، يصعب تحقيق التعاون، إذ يوجد حافز لدى بعض القرى لتجنب العبء وإلقاء المسؤولية على غيرها.
تتسم مشكلة انبعاثات الكربون ببنية مماثلة. فعلى سبيل المثال، حتى لو خفضت الولايات المتحدة انبعاثاتها الكربونية بشكل كبير، فإن زيادة الصين لانبعاثاتها بنفس المقدار لن تؤدي إلى انخفاض التركيز العالمي للغازات الدفيئة. ولا تقتصر فوائد خفض الولايات المتحدة لانبعاثاتها الكربونية عليها وحدها، بل تُوزع عالميًا. لذا، من وجهة نظر الولايات المتحدة، يصعب اتخاذ خطوات استباقية ما لم تكن الفوائد تفوق تكاليف الخفض بشكل واضح. أما بالنسبة لدولة مثل كوريا الجنوبية، ذات الاقتصاد الصغير نسبيًا، فإن عبء أخذ زمام المبادرة في حل هذه المشكلة أكبر بكثير.

 

إن كلاً من تجربة المشكلة وتكرارها، وكسب الثقة بين الدول، أمر صعب.

ثمة طريقة أخرى لحل معضلة السجين وهي "التكرار". تشترك مشكلة التواطؤ بين الشركات الاحتكارية في بنية مشابهة لمعضلة السجين. تبني الشركات ثقة متبادلة من خلال تكرار تحقيق الأرباح الناتجة عن التواطؤ على مدى فترة زمنية محددة. علاوة على ذلك، بما أن الشركات التي تنتهك الاتفاقيات يمكن معاقبتها من خلال المنافسة السعرية أو العقوبات، فإنه يمكن الحفاظ على علاقات تعاونية لفترات طويلة نسبيًا.
مع ذلك، فإن أزمة المناخ الناجمة عن انبعاثات الكربون ليست مشكلة واجهناها مرارًا وتكرارًا في الماضي. فمنذ ظهور البشرية على الأرض، تُعدّ أزمة مناخية عالمية بهذا الحجم غير مسبوقة تقريبًا. ونتيجةً لذلك، يعجز الكثيرون عن إدراك خطورة المشكلة تمامًا، أو يميلون إلى اعتبارها أمرًا من المستقبل البعيد. وبينما يُتيح التعرّض لمشكلة ما في السابق التعاون لتجنب تكرار الأخطاء، فإن أزمة المناخ تُصعّب عملية التعلّم هذه.
أما المشكلات البيئية الأخرى داخل الدول فهي قابلة للحل نسبياً. يمكن معالجة تلوث المياه أو مشاكل النفايات من خلال قيام الحكومات بتحديد الأسباب والتدخل المباشر، أو من خلال تعاون الدول المتضررة لإيجاد حلول. كما توجد أمثلة عديدة على مساهمة التقدم التكنولوجي في تخفيف حدة المشكلات أو حلها.
مع ذلك، فإن ارتفاع متوسط ​​درجات الحرارة العالمية الناتج عن زيادة انبعاثات الكربون يُشكل تحدياً بالغاً أمام التعاون الدولي، على الرغم من التوقعات بأن العواقب ستكون كارثية. من الصعب على أي دولة بمفردها أن تأخذ زمام المبادرة، وحتى لو فعلت، فلن يحل ذلك المشكلة. علاوة على ذلك، من الصعب أيضاً على الحكومات الوطنية الحصول على موافقة مواطنيها.
إذن، ما هو البديل الواقعي الأمثل؟ من الضروري تعزيز التعاون الدولي، مع التركيز على الدول المتقدمة التي تتمتع بوعي أكبر نسبياً بأزمة المناخ، وفي الوقت نفسه توسيع نطاق التضامن من خلال توظيف الحوافز والعقوبات تجاه الدول والشركات التي تتسم بالخمول في استجابتها. وفي الوقت نفسه، يجب بذل الجهود داخل كل دولة لإقناع المواطنين وتعزيز الوعي المشترك بالمشكلة، متجاوزين بذلك الخلافات الحزبية. كما يُعد الاستثمار المستمر في التقنيات الصديقة للبيئة والصناعات منخفضة الكربون أمراً بالغ الأهمية.
للأسف، لا يوجد حل واضح ونهائي في الوقت الراهن. لو كان هناك حل سهل التطبيق، لكانت دول عديدة قد وحدت جهودها دون نزاعات تُذكر. وهذا يُبرز مدى صعوبة حل أزمة المناخ من الناحية الهيكلية. ومع ذلك، لا يمكن للعالم أن يتجاهل هذه المشكلة، بل يجب عليه المثابرة على بذل جهود متواصلة من منظور طويل الأمد.
لا يزال النظام الاقتصادي الذي يدعم العالم اليوم هو اقتصاد السوق، ومن المستحيل عملياً كبح جماح رغبة الإنسان في الاستهلاك المفرط وتحقيق مكاسب أكبر. وبدلاً من رفض اقتصاد السوق نفسه أو التخلي عن التنمية الاقتصادية، يُعدّ تعزيز التعاون على المستوى الوطني وتوسيع نطاق الاتفاقيات الدولية نهجاً أكثر جدوى نسبياً، ويحمل في طياته إمكانات واعدة لتحقيق الفعالية.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.