كيف أثرت الحرب الروسية الأوكرانية على حياتنا اليومية؟

تتناول هذه المدونة بهدوء كيف أثرت الحرب الروسية الأوكرانية على حياتنا اليومية واقتصادنا من خلال الطاقة والحبوب والتضخم، باستخدام أمثلة ملموسة.

 

في فبراير 2022، اندلعت الحرب إثر الغزو الروسي لأوكرانيا. بالنسبة للعديد من الكوريين الجنوبيين، تُعدّ هاتان الدولتان، وخاصة أوكرانيا، كيانين غير مألوفين إلى حد ما. ورغم أن الأسماء قد تكون مألوفة، إلا أن تحديد موقعهما على الخريطة قد يكون صعباً. ونتيجة لذلك، في المراحل الأولى من الحرب، ربما بدت الأحداث وكأنها قصة بعيدة، يصعب استيعابها كواقع. ومع ذلك، ورغم أن الصراع كان محتدماً في مكان بعيد، إلا أن آثاره سرعان ما تسربت إلى حياتنا اليومية. فالنيران التي ظننا أنها مجرد "حريق على الضفة الأخرى" نشاهده من بعيد، امتدت الآن والتهمت حياتنا.
كان أول وأعمق الأثر هو ارتفاع الأسعار. تُعد روسيا من أكبر مُصدّري الغاز الطبيعي في العالم، ومن بين أكبر ثلاث دول مُنتجة للنفط، ما يمنحها نفوذاً كبيراً في سوق الطاقة. كما تُعتبر روسيا مُورّداً رئيسياً للعديد من الموارد المعدنية الهامة. في المقابل، تُعد أوكرانيا مُصدّراً رئيسياً للحبوب، إذ تُساهم بنحو 10% من صادرات القمح العالمية، ونحو 18% من صادرات الذرة. ومع اندلاع الحرب في هذين البلدين، أُغلقت طرق تصدير المواد الخام والمنتجات الزراعية الأساسية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار العالمية.
اعتمدت أوروبا، على وجه الخصوص، على الغاز الطبيعي المُورّد عبر خطوط الأنابيب القادمة من روسيا. إلا أن هذا الإمداد تعرّض لانقطاعات حادة منذ اندلاع الحرب. ورغم أن إمدادات الغاز لم تتوقف تمامًا، إلا أن تفاقم انعدام الأمن في الإمدادات أدى حتمًا إلى ارتفاع أسعار الغاز بشكل كبير. لم يكن هذا بسبب تدمير خطوط الأنابيب بالقصف، بل لأن روسيا ردّت بإغلاق صمامات الغاز بعد أن أدان حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي يضم دولًا من أوروبا الغربية، غزوها بشدة. وبينما ذكرت روسيا أسبابًا أخرى علنًا، كان هذا في جوهره تكتيكًا للضغط السياسي والاقتصادي. ومع انخفاض إمدادات الغاز الطبيعي الروسي، بدأ موقف الدول الأوروبية الكبرى، بما فيها ألمانيا، بالتغير.
واجه النفط الخام وضعًا مشابهًا. فرغم عدم تضرر خطوط الأنابيب نفسها، ارتفعت أسعار النفط العالمية بشكل حاد مع فرض الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، قيودًا على صادرات النفط الخام الروسي في إطار العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا. وفي الوقت نفسه، مُنعت صادرات الحبوب الأوكرانية فعليًا بعد أن أغلقت روسيا موانئ رئيسية. علاوة على ذلك، اعتمدت صناعة أشباه الموصلات العالمية على روسيا وأوكرانيا في أكثر من 50% من إمداداتها من الغازات المتخصصة الضرورية للإنتاج. ونتيجة لذلك، تسببت الحرب في نقص عالمي في أشباه الموصلات. وهكذا، امتدت أضرار الحرب إلى ما هو أبعد من القتال المباشر في ساحة المعركة، لتنتشر بأشكال مختلفة في قطاعات متنوعة تشمل الطاقة والغذاء والصناعات التكنولوجية المتقدمة.
هل تستورد كوريا الجنوبية كميات كبيرة من النفط الخام أو الغاز الطبيعي أو الحبوب مباشرة من روسيا أو أوكرانيا؟ في الواقع، لا تفعل. فلماذا ارتفعت أسعار كوريا الجنوبية بشكل حاد؟ يعود ذلك إلى الترابط الوثيق بين الاقتصادات العالمية. فبينما كان التأثير المباشر للحرب محسوسًا بشكل أساسي في أوروبا، أدى تسابق الدول لتأمين الإمدادات الشحيحة إلى انكماش أسواق المواد الخام العالمية بشكل عام. ووصلت آثار ذلك في نهاية المطاف إلى كوريا الجنوبية.
مع ارتفاع أسعار النفط، زار الرئيس الأمريكي بايدن المملكة العربية السعودية لطلب زيادة الإنتاج، لكن طلبه قوبل بالرفض. وتوقعت دول العالم انهيار الاقتصاد الروسي سريعًا نتيجة للعقوبات الاقتصادية الأمريكية الشديدة. إلا أن الاقتصاد الروسي أثبت مرونة أكبر من المتوقع، إذ استوردت الصين والهند كميات كبيرة من النفط الخام الروسي بأسعار منخفضة نسبيًا. وبالفعل، تعافى الروبل الروسي، الذي انهار فور إعلان العقوبات الأمريكية، بسرعة. وبحلول النصف الثاني من عام 2022، تجاوزت قيمته مستويات ما قبل الحرب.
وبينما استمرت أسواق الطاقة الدولية وأسعار الصرف في التقلب بعد ذلك، فإن هذه الحالة توضح بوضوح أن آثار العقوبات ليست خطية دائمًا.
كشفت الحرب بين روسيا وأوكرانيا بوضوح عن مدى ترابط العالم اليوم من خلال التجارة، وعن مدى اعتماد الدول على بعضها البعض. وفي الوقت نفسه، كشفت الحرب عن الاستراتيجيات والحسابات المعقدة التي تُحاك في الخفاء لحماية المصالح الوطنية. إن الحفاظ على المستوى الاقتصادي الحالي لكوريا الجنوبية دون تجارة أمرٌ شبه مستحيل. ولهذا السبب تحديدًا، يجب علينا أن نولي اهتمامًا دائمًا بالدول الأخرى والشؤون العالمية، وذلك لفهم اقتصادنا فهمًا صحيحًا، ولتفسير التغيرات التي تؤثر على حياتنا تفسيرًا دقيقًا.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.