كيف تغلب برج بيزا المائل على عيوبه البنيوية؟

في هذه المدونة، سنلقي نظرة على كيفية تغلب برج بيزا المائل على عيوبه الهيكلية، وكيف أنه دليل على تقنيات البناء الحديثة.

 

برج بيزا المائل هو معلم سياحي عالمي شهير يقع في مقاطعة توسكانا غرب إيطاليا، وهو ملحق بكاتدرائية بيزا، وقد اكتسب شهرةً إضافية بفضل الحكاية التي تقول إن غاليليو غاليلي أجرى تجارب السقوط الحر منه. لا يُعدّ البرج المائل بناءً تقليديًا، وشكله المائل يجعله مشهدًا فريدًا للسياح. على الرغم من ميله الشديد، فقد حافظ برج بيزا المائل على موقعه دون أن يسقط. واليوم، انخفضت زاوية ميله من 5.5 درجة في أقصى حالاتها إلى حوالي 3.9 درجة بفضل أعمال الترميم المستمرة.
بدأ برج بيزا المائل بالميلان بعد المرحلة الأولى من مراحل بنائه الثلاث (الأولى: 1173-1178؛ الثانية: 1272-1278؛ الثالثة: 1360-1372). حاول المهندسون طرقًا مختلفة لمعالجة الميلان نحو الجنوب، بما في ذلك تعليق مواد ثقيلة كالأجراس على الجانب الشمالي من البرج وحقن مواد كيميائية لتقوية التربة على الجانب الجنوبي، لكن محاولاتهم باءت بالفشل. ونتيجة لذلك، استمر الميلان في التسارع مع مرور الوقت. في عام 1990، عندما تجاوزت المسافة بين خط الشاقول والمحور المركزي للبرج المائل الحد المسموح به وهو 4.5 متر، أغلقت الحكومة الإيطالية البرج أمام الجمهور وبدأت عملية ترميم شاملة. اقترحت شركات البناء والباحثون من مختلف البلدان حلولًا متنوعة، لكن لم ينجح أي منها. في النهاية، تم اختيار طريقة قطع التربة على الجانب الشمالي، مما أدى إلى توقف الميلان، وبحلول عام 2010 انخفض الميلان من 5.5 إلى 3.9 درجة.
إذن ما الذي تسبب في ميل برج بيزا المائل، وكيف تم إيقاف ذلك؟
لم يكن ميل برج بيزا المائل ناتجًا عن عيب هيكلي في المبنى نفسه، بل عن خلل في التربة التي تدعمه. تتكون التربة عمومًا من طبقة صخرية صلبة في الأسفل، ومزيج من أنواع مختلفة من التربة، مثل المياه الجوفية والرمل والطين. وبناءً على طبيعة التربة، تُصنف إلى تربة لينة أو صلبة أو طينية أو رملية، ويجب مراعاة هذه الخصائص عند بناء أي منشأة. تحتوي التربة على فراغات بين جزيئاتها، تُسمى المسامات، والتي تنضغط تحت تأثير الأحمال عند بناء المنشأة. تُعرف هذه العملية باسم "الهبوط"، ولا تُشكل مشكلة إذا كانت التربة التي تدعم المبنى تهبط بشكل متساوٍ. مع ذلك، عندما تهبط التربة بشكل مختلف في مواقع مختلفة، يحدث "هبوط غير متساوٍ"، وهي ظاهرة خطيرة قد تتسبب في ميل المبنى أو حتى انهياره.
بُني برج بيزا المائل على أرض رخوة، مزيج من الرواسب المعدنية والطين، مع وجود مياه جوفية تتدفق تحته. إضافة إلى ذلك، لم يتم وضع الأساس بشكل كامل، مما تسبب في ميل البرج نحو الجنوب.
حاول المهندسون حل المشكلة باستخدام مواد ثقيلة لعكس ميل البرج، مستعينين بمبدأ الميزان، لكن الأرض في الجانب الجنوبي من البرج لم تتحمل وزن هذه المواد، فازداد الميل سوءًا. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، جرب بينيتو موسوليني "طريقة الحقن" بحقن الخرسانة في الأرض، لكن هذه الطريقة أدت أيضًا إلى اضطراب التربة وتفاقم المشكلة. وفي ستينيات القرن العشرين، أدى ازدياد استخدام المياه الجوفية إلى انخفاض منسوبها، مما سرّع من هبوط الأرض وميل البرج المائل.
نجحت طريقة "التدعيم الشمالي"، التي طُبقت في نهاية المطاف، في حل مشكلة ميلان البرج. وقد أدى مشروع تدعيم واسع النطاق، تضمن حفر حوالي 70 طنًا من التربة من الأساس الشمالي وصب الإسمنت، إلى وقف الهبوط غير المتساوي للأرض وتثبيت ميل الباغودا. ونتيجة لذلك، انخفض ميل الباغودا بمقدار 48 سنتيمترًا مقارنةً بعام 1990، ولم يعد يميل.
لعبت مبادئ الجيوميكانيكا بين المبنى والأرض دورًا هامًا في حل مشكلة برج بيزا المائل. فبدلًا من تدعيم التربة الرخوة، تم التحكم في مقدار الهبوط عن طريق حفر التربة على الجانب المقابل لمنع الهبوط التفاضلي. وقد أتاحت تقنيات الهندسة الجيوتقنية الحديثة تصميم وبناء هياكل مائلة عمدًا، على عكس حالة برج بيزا المائل، حيث حالت الصعوبات التقنية دون إجراء دراسة جيوتقنية كافية.
من الأمثلة على ذلك مبنى كابيتال جيت في أبوظبي، المُدرج في موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكثر الأبراج الاصطناعية ميلاً في العالم. يتألف المبنى من 35 طابقاً، ويبلغ ميله 18 درجة، أي أكثر بـ 3.9 درجة من برج بيزا المائل. يتميز المبنى بتصميم فريد، حيث يمتد عمودياً حتى الطابق الثاني عشر، ثم يبدأ بالانحناء من الطابق الثالث عشر فصاعداً، حيث يميل كل طابق جانبياً بمقدار يتراوح بين 30 و140 سنتيمتراً. صُمم المبنى أيضاً لمقاومة الجاذبية والرياح العاتية والزلازل، وذلك بوضع 490 ركيزة بسمك مترين وعمق 30 متراً في مركز المبنى وعلى الجانب المقابل للمنحدر. تعمل هذه الركائز على مقاومة أي حركة دورانية قد تتسبب في ميل المبنى. يُمكّن هذا التصميم مبنى كابيتال جيت من الحفاظ على استقراره رغم ميله، وعلى عكس برج بيزا المائل، فقد أكسبه سمعة كونه بناءً مصمماً بعناية.
تُساهم التطورات الحديثة في الهندسة الجيوتقنية في جعل هذه المنشآت المائلة، بالإضافة إلى ناطحات السحاب والأنفاق البحرية وخطوط السكك الحديدية فائقة السرعة وغيرها من التحديات الهندسية، واقعاً ملموساً. وبفضل القدرة على تحقيق تصاميم إبداعية مع ضمان استقرار المنشأة، أصبحنا نرى أشكالاً معمارية كانت في السابق ضرباً من الخيال.
لا تقتصر هذه التطورات التكنولوجية على إنشاء معالم جميلة وفريدة فحسب، بل تُسهم أيضًا في تصميم مبانٍ آمنة قادرة على الصمود أمام الكوارث الطبيعية والتغيرات الأرضية. فعلى سبيل المثال، في المناطق المعرضة للزلازل كاليابان، من الضروري تحليل التفاعل بين الأرض والمبنى بدقة لتصميم هياكل مقاومة للزلازل. ولا تقتصر فوائد هذه الأساليب على جعل المباني أكثر أمانًا فحسب، بل إنها تُسهم أيضًا بدورٍ هام في حل المشكلات الجيولوجية التي كانت تُشكل تحديًا كبيرًا في السابق.
لطالما اشتهر برج بيزا المائل بشكله المميز، لكن تقنيات الهندسة الجيوتقنية الحديثة لم تعد تنظر إليه كمشكلة، بل كتحدٍ فني وتقني. هذه التطورات الهندسية، التي تحل مشاكل الماضي وتستكشف في الوقت نفسه إمكانيات جديدة، ترفع سقف التوقعات لمستقبل الهندسة المعمارية.
كما صمدت برج بيزا المائل لقرون، ستصبح المباني المشيدة بالتكنولوجيا الحديثة، مع مرور الوقت، رموزًا أيقونية للتاريخ والثقافة. ومن يدري، ربما في يوم من الأيام، سيُبنى شيء أكثر ابتكارًا وتحديًا من برج بيزا المائل، ليصبح رمزًا لجيل جديد.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.