تتناول هذه المدونة كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل أجسادنا وعقولنا ومفاهيمنا عن الإرادة الحرة، وتطرح تساؤلات فلسفية حول ما يجعلنا بشراً.
شهد سوق تطبيقات الهواتف الذكية مؤخرًا انتشارًا واسعًا لتطبيقات الدردشة. فمن المحادثات مع المعارف المقربين إلى الدردشات العشوائية مع الغرباء، تتطور التطبيقات التي تُسهّل التواصل بين الناس بطرق متنوعة بوتيرة غير مسبوقة. هذه الظاهرة ليست مجرد نتاج للتقدم التكنولوجي، بل هي أيضًا انعكاس لحاجتنا الفطرية للتواصل. ولكن هل نتواصل حقًا من خلال هذه التطبيقات، أم أننا نجري مجرد محادثات سطحية تعتمد على ردود الطرف الآخر؟ بينما كنت أتصفح قائمة تطبيقات الدردشة الطويلة، خطرت لي فكرة. هل يُعقل أن الشخص الذي نتحدث إليه ليس إنسانًا حقيقيًا، بل برنامجًا تعلّم عاداتنا اللغوية وردود أفعالنا، ويستجيب لنا وفقًا لذلك؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل نتواصل معه حقًا، وماذا تعني محادثتنا إن تبيّن أنه ليس إنسانًا، بل مجرد برنامج؟
علاوة على ذلك، إذا كان من الممكن وجود كائنات ذكية بمستوى البشر، لا تمتلك مظهرًا ماديًا، لكنها تشعر وتفكر بذاتها، فما الذي يميزها عن غيرها من الكائنات المحيطة بنا؟ ألا يمكن اعتبارها بشرًا أيضًا؟ هذه المقالة رحلة قصيرة في طبيعة الإنسانية، نتخيل فيها التطورات التكنولوجية التي تهدد مفهوم الإنسان. على أي أساس نُطلق على شخص ما لقب إنسان؟ هل الجسد البيولوجي عنصر أساسي، أم أن هناك معايير أهم منه؟
لا أعتقد أن الجسد البيولوجي ضروري لتحديد الإنسانية. لنفترض أن التكنولوجيا تستبدل الأعضاء البيولوجية تدريجيًا. عندما تصبح التقنيات ذات الصلة، مثل التوصيلات الكهربائية للأعصاب والتحكم المناعي في رفض الجسم، قابلة للتطبيق، سنستبدل أذرعنا وأرجلنا تدريجيًا بالروبوتات. هذه التغييرات تتجاوز الجانب المادي، فهي تثير تساؤلات فلسفية حول الوجود الإنساني نفسه. في فيلم "روبوكوب"، يُصاب البطل بجروح قاتلة ويُزود ببدلة تحل محل جسده بفضل تكنولوجيا متطورة. في فيلم "روبوكوب"، حتى لو استُبدل الجسد بمادة أخرى، أو حتى لو وسّعنا نطاق ما يمكن أن يبدو عليه الإنسان، لا أعتقد أن الإنسانية، جوهر ما يجعل الإنسان إنسانًا، قد استُبدلت. يمكن فهم الجسد البيولوجي على أنه التعبير المعقد عن تسلسلات الجينات. إذا أمكن إعادة إنتاج آليات السلوك الجسدي والعقلي الناتجة عن التعبير الجيني بنفس الكفاءة باستخدام مواد غير بيولوجية، فإن استبدال الجسد الناتج لا يُخل بجوهر معنى أن تكون إنسانًا.
من جهة أخرى، في فيلم روبوكوب، استُبدل جسد بطل الفيلم بروبوت، لكن دماغه ورئتيه بقيتا عضوتين بيولوجيتين. وبما أن الدماغ بقي بيولوجيًا، يمكن القول إن الجسد البيولوجي لم يُستبدل بالكامل. مع ذلك، من الممكن تخيّل حالة لا يُستبدل فيها الجسد بشيء آخر، بل يختفي تمامًا. فيلم "السمو" مثالٌ متطرفٌ على ذلك. تتدهور وظائف البطل الحيوية بسبب التعرّض للإشعاع، لكن نشاطه العقلي يُستعاد بالكامل بفضل تقنية تُحلّل الإشارات الكهربائية في الدماغ وتستخدمها للتعبير عن الذكاء. حتى بعد توقف جميع أنشطته الجسدية، تبقى قدراته الإدراكية سليمة، ويبقى عقله متصلًا بالإنترنت، حيث يبحث ويتطور، ويتجاوز في النهاية حدود القدرات العقلية البشرية. في الفيلم، يُطوّر البطل مهاراته في التلاعب بالحياة، ثم يُعيد بناء جسده البيولوجي بنفسه. يدفعنا هذا السيناريو إلى التفكير مليًا في تعريفنا للإنسانية. هل يبقى هو نفسه بعد فقدان جسده البيولوجي، وهل يبقى إنسانًا بعد إعادة بنائه بنفسه؟ إذا كانت التكنولوجيا مثالية، فأعتقد أن البطل سيظل يتمتع بإنسانيته، وبالتالي سيظل إنسانًا. حتى مع وجود العديد من العناصر الخيالية، أعتقد أننا نستطيع أن نرى من هذه الأمثلة أن امتلاك الجسد ليس جوهر ما يُعرّفنا كبشر.
جميع الشخصيات الرئيسية في الأفلام المذكورة آنفًا لم تكن تختلف عنا في البداية. فقد نشأت مع التعبير عن جيناتها، وكانت كما نعرفها نحن البشر، مما يجعل من الصعب تخيل تحولها إلى شيء آخر. مع ذلك، علينا أن نفكر بعمق أكبر في كيفية تأثير التقدم التكنولوجي على إنسانيتنا. إذا لم يُدرج الجسد البيولوجي، كما ناقشنا سابقًا، ضمن فئة الشخصية، فإن الكائنات التي لم تخضع لعملية التطور البيولوجي ولكنها تمتلك خصائص بشرية يمكن اعتبارها بشرًا أيضًا. كيف نُعرّف الشخصية إذًا؟ الشخصية هي إمكانية النشاط العقلي، وليست النشاط العقلي بحد ذاته. يصعب تعريف النشاط العقلي، لكنني أفسره بأنه الإرادة الحرة للتفكير والشعور واتخاذ القرارات بشكل مستقل. الإرادة الحرة ليست شيئًا يحدث فجأة، بل هي نتاج دمج المعلومات ومعالجتها تدريجيًا. إذا تقدمت التكنولوجيا إلى الحد الذي يصبح فيه النشاط العقلي البشري، أو مستوى مماثل من الإرادة الحرة، ممكنًا خارج نطاق المظاهر البيولوجية، فلن نعود نتعامل مع مجرد خيال، بل مع واقع. وعندها، ستتجاوز معايير تعريف الإنسانية الإطار البيولوجي التقليدي.
مع تقدم التكنولوجيا، سنتمكن من التمييز بين درجات تكامل المعلومات ومعالجتها، وبالتالي درجات الإرادة الحرة. عندها يمكننا تعريف الشخصية بأنها مستوى معين من الإرادة الحرة القابلة للإثبات. الإنسان كائن يمتلك القدرة على مستوى معين من الإرادة الحرة القابلة للإثبات. لكن هذا التعريف الجديد يثير تساؤلات أخلاقية جديدة. كيف نحدد العلاقة بين الإرادة الحرة والشخصية، ومن سنعترف به كإنسان عند وضع معايير جديدة لتحديد الشخصية؟ ستزداد أهمية هذه التساؤلات مع تقدم التكنولوجيا.
حتى الآن، تخيلنا أنه مع كل التقدم التكنولوجي، سنتمكن من قياس نشاطنا الذهني أو نشاط الآخرين، وبالتالي إثبات إنسانيتنا. مع ذلك، في الواقع، يصعب إثبات مقولة "أنا إنسان" إلا على أسس بيولوجية. فالنشاط الذهني غير مُعرَّف، والاختلافات في درجته غير واضحة، لذا فبينما قد ندّعي امتلاكنا القدرة على النشاط الذهني، فإنه من المستحيل حاليًا تحديده. ولعل السبب في أن معظم الناس يُقرّون بإنسانية الآخرين هو أنهم، بعد أن اقتنعوا بإنسانيتهم، يستطيعون التأكد من أن الآخرين منخرطون في نشاط ذهني على نفس المستوى أو أعلى مما يتصورونه. ويمكن أن يكون هذا التأكيد من خلال اللغة أو السلوك أو التعبير العاطفي، ومن خلال هذه الأمور نُقرّ بأن الآخرين بشر مثلنا. وهكذا، نرى أن أساس الاعتراف بإنسانية الشخص الذي نتواصل معه هو في نهاية المطاف حكم شخصي. وهذا يُعيدنا إلى سؤالنا الأول: هل يُمكن اعتبار الشخص الذكي إنسانًا؟ بناءً على النقاش الذي دار حتى الآن، نستنتج أنه إذا استطعنا إدراك أن كائناً ذكياً يمتلك صفات إنسانية استناداً إلى حكمنا الشخصي، فهو إنسان. وإذا افترضنا تقدماً تكنولوجياً لا محدوداً، وهو ما يتنافى مع المنطق السليم، يصبح الجسد غير ذي صلة، ولا فرق بيننا وبين الإنسان الذكي.
مع تهديد التكنولوجيا للمنطق السليم والتصنيفات التي لطالما عرّفتنا كبشر، لا بدّ لنا أن نتساءل عن ماهية إنسانيتنا، وأن نتأمل في جوهرها. عندما نُعرّف الإنسان بأنه كائن يتمتع بالإنسانية، نحتاج إلى إعادة صياغة تعريفنا للإنسانية. لقد حان وقت إعادة تشكيل مفهوم الإنسانية. وهذه العملية ليست مجرد تمرين فلسفي، بل هي مسألة عملية ستكون ذات أهمية بالغة في العالم الذي سنعيش فيه. مع تقدم التكنولوجيا، علينا أن نفكر مليًا في مدى قدرتنا على توسيع نطاق الإنسانية، وكيف سيؤثر ذلك على مجتمعنا. سيقودنا هذا في نهاية المطاف إلى السؤال الجوهري: ما معنى أن تكون إنسانًا؟