لماذا نعيش في عصر الحتمية التكنولوجية؟

في هذه المدونة، سندرس العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع، وسننظر تحديداً في سبب هيمنة الحتمية التكنولوجية.

 

كثيرًا ما يُشار إلى البشر بأنهم كائنات اجتماعية. وفي الوقت نفسه، يصعب تخيّل الحياة البشرية بدون التكنولوجيا. ولذلك، تُعدّ التكنولوجيا والمجتمع عنصرين أساسيين في حياة الإنسان. ونظرًا لتداخل التكنولوجيا والمجتمع بشكل وثيق في حياة الإنسان، فمن الطبيعي أن يهتم الناس بالعلاقة بينهما. وقد أدى هذا الاهتمام إلى تطوير نقاش حول العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع كحقل معرفي. ويعود استمرار النقاش حول هذه العلاقة إلى اتفاق الكثيرين على أن هذين العنصرين متساويان في الأهمية. ومع ذلك، ثمة نقطة تتباين فيها الآراء، وهي: أيهما أسبق، التكنولوجيا أم المجتمع؟ فقد كان السؤال عما إذا كان المجتمع قد تطور بفضل التكنولوجيا، أم أن التكنولوجيا تطورت بفضل المجتمع، محور نقاش دائم أدى إلى ظهور معسكرين متناقضين.
برز خطابان رئيسيان. الأول هو الحتمية التكنولوجية، التي ترى أن التكنولوجيا تُسبب التغيير الاجتماعي. أما الثاني فهو البنائية الاجتماعية، التي ترى أن المجتمع هو مُسبب التغيير التكنولوجي. لكن السبب وراء تعايش هذين الخطابين المتعارضين لفترة طويلة هو أن العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع، على نحوٍ مُتناقض، علاقة تفاعلية. فلا يهيمن أيٌّ من الخطابين، الحتمية التكنولوجية أو البنائية الاجتماعية، بل يتأرجح مركز الثقل بينهما. لذا، ليس من الصواب الجزم بأن خطابًا واحدًا فقط هو المُناسب في وقتٍ مُعين. مع ذلك، يبدو أن مركز الثقل في عصرنا يميل لصالح التكنولوجيا. وسنُوضح ذلك في خطواتٍ لاحقة.
قبل الخوض في النقاش، دعونا نوضح المقصود بالحتمية التكنولوجية. يصعب تعريفها بدقة، ولكن لأغراض هذه المقالة، سنقسمها إلى قسمين: تأثير التكنولوجيا على التكنولوجيا، وتأثير التكنولوجيا على المجتمع. ذلك لأن تأثير التكنولوجيا والمجتمع على بعضهما البعض يؤثر في كليهما، وبالتالي يبقى النقاش ناقصًا إذا استُبعد تأثير التكنولوجيا على التكنولوجيا أو تأثيرها على المجتمع. وكما ذكرنا سابقًا، إذا كانت الحتمية التكنولوجية هي السائدة حاليًا، فمن الضروري إثبات صحة كل من "تأثير التكنولوجيا على التكنولوجيا" و"تأثير التكنولوجيا على المجتمع" لإثباتها. في هذا القسم، سنناقش أولًا تأثير التكنولوجيا على التكنولوجيا، ثم تأثيرها على المجتمع.
إن حتمية التكنولوجيا على المجتمع تعني أن المجتمع لا يمكن أن يكون سببًا للتغير التكنولوجي. ولتوضيح ذلك، دعونا ننظر في أربع حالات تنشأ في وجود أو غياب تكنولوجيا أولية، وفي وجود أو غياب طلب اجتماعي. في كل حالة، من خلال النظر في إمكانية تطور التكنولوجيا، يمكننا تحديد الأسباب المباشرة للتقدم التكنولوجي. من ناحية أخرى، يُعد التغير التكنولوجي حدثًا سببيًا، لذا يجب ألا نقع في خطأ التفكير على محور الزمن. لذلك، عند تحديد الحالات الأربع، اخترنا مصطلحي "التكنولوجيا الأولية" و"الطلب الاجتماعي" للإشارة إلى أسباب التغير التكنولوجي، و"التكنولوجيا الناتجة" للإشارة إلى نتيجة هذا التغير.
الحالة الأولى هي عندما تتوفر "التكنولوجيا المُمكّنة" للتكنولوجيا الناتجة، ولكن لا توجد "حاجة اجتماعية". في هذه الحالة، يكون ظهور التكنولوجيا الناتجة ممكنًا حتى لو لم يتقبلها المجتمع، فتختفي مع مرور الزمن. الحالة الثانية هي عندما تتوفر تكنولوجيا تمهيدية وتوجد حاجة اجتماعية. في هذه الحالة، ستبرز التكنولوجيا الناتجة في التاريخ بدعم كامل من المجتمع. الحالة الثالثة هي عندما لا تتوفر "تكنولوجيا تمهيدية" للتكنولوجيا الناتجة، ولكن توجد "حاجة اجتماعية". في هذه الحالة، لا يمكن للتكنولوجيا الناتجة أن تظهر على الرغم من وجود حاجة اجتماعية، لأن التكنولوجيا التمهيدية غير موجودة. مثال على ذلك هو عدم وجود علاج متاح بسهولة لمرض الإيبولا، وهو مرض أصبح مؤخرًا مشكلة. أخيرًا، لا تتوفر "تكنولوجيا تمهيدية" ولا توجد "حاجة اجتماعية". إذا قارنا هذه الحالة بالأولى، فإن غياب التكنولوجيا التمهيدية يجعل من المستحيل حتى ظهور التكنولوجيا الناتجة بالصدفة.
في الحالات الأربع جميعها، يُمكّن وجود "التكنولوجيا التمهيدية" من ظهور "التكنولوجيا الناتجة"، وليس "الحاجة الاجتماعية". لذا، فالتكنولوجيا هي التي تُسبب التكنولوجيا، وليس المجتمع. بل إن المجتمع هو الذي يتقبل التكنولوجيا ويُقدّرها ويُوجّهها. أحيانًا يُنظر إلى المجتمع على أنه سبب التغيير التكنولوجي، لأن التكنولوجيا التي تحظى بتقدير كبير من المجتمع تحظى بدعم أكبر وتتمكن من التطور بسرعة. من ناحية أخرى، وعلى عكس الظهور التدريجي للتقنيات المذكورة أعلاه، قد تظهر تقنيات جديدة فجأة في طليعة التاريخ. في هذه الحالة، قد يبدو المجتمع سببًا للتكنولوجيا، لأن "التكنولوجيا المُمكّنة" غير ظاهرة بوضوح. مع ذلك، حتى لو لم تستطع "التقنيات المُمكّنة" أن تُسبب "التقنيات الناتجة" بشكل مباشر، فإن مجموعها يُمكن أن يُسببها. هذا ما يجعل التقنيات الجديدة تبدو غير سببية، لأن الناس لا يستطيعون رؤية جميع "التقنيات السابقة".
كما رأينا، في حالة التقدم التكنولوجي التدريجي، قد تكون التكنولوجيا نفسها هي السبب، وفي حالة التقدم التكنولوجي السريع، تظل التكنولوجيا هي السبب، لأن السبب ليس تقنية واحدة، بل منظومة التقنيات. لذا، نستنتج أن "تأثير التكنولوجيا على التكنولوجيا" صحيح.
يحتاج تأثير التكنولوجيا على المجتمع إلى وصف أكثر دقة. ولأن العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع ثنائية الاتجاه، فإن الحتمية التكنولوجية والبنائية الاجتماعية تربطهما علاقة جدلية، لا يطغى أحدهما على الآخر. وقد شهدت البشرية في الماضي فترات هيمنة البنائية الاجتماعية وفترات أخرى هيمنة الحتمية التكنولوجية. ولإثبات هذه الفرضية، نحتاج إلى دراسة فهم الحتمية التكنولوجية في كل فترة من هذه الفترات ومقارنته بالوضع الراهن. ومن خلال ذلك، يمكننا أيضًا أن نرى كيف يمكن معالجة الاعتراضات التي وُجهت إلى الحتمية التكنولوجية في الماضي في الوقت الحاضر.
لطالما اهتم الناس بالعلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع منذ نشأة "تاريخ التكنولوجيا" كحقل معرفي. إلا أن الدافع الأولي لتاريخ التكنولوجيا كان توفير خطاب يمكّن المجتمع من الاستجابة لظهور التقنيات التي تهدد بقاء البشرية جمعاء، مثل ظهور الأسلحة النووية خلال الحرب الباردة. ولذلك، ركز مؤرخو التكنولوجيا الأوائل على صقل خطاب يضع التكنولوجيا تحت سلطة المجتمع. وهذا أحد أسباب تحدي البنائية الاجتماعية للحتمية التكنولوجية. فبحسب الحتمية التكنولوجية، من المرجح أن تبرز التقنيات التي قد تهدد المجتمع في صدارة التاريخ، وهو ما كان أنصار البنائية الاجتماعية متخوفين منه.
لكن المؤرخين التقنيين هم من يدرسون التكنولوجيا لأن لديهم نظرة إيجابية تجاهها تفوق المتوسط، لذا كان من الطبيعي أن يظهر خطاب يُفضّل التكنولوجيا على المجتمع. دافع أنصار الحتمية التكنولوجية عن أولوية التكنولوجيا على المجتمع، مستشهدين بأمثلة مؤثرة مثل اختراع الركاب، الذي أدى إلى ظهور طبقة الفرسان من خلال تطوير مهارات الفروسية، واختراع المطبعة، الذي أدى إلى عصر النهضة، واختراع المحرك البخاري، الذي أدى إلى الثورة الصناعية.
مع ذلك، وخلال هذه العملية، تراجعت الحتمية التكنولوجية لصالح البنائية الاجتماعية لسببين. أولهما أنه عند إخضاع أمثلة الحتمية التكنولوجية لتدقيق علمي اجتماعي دقيق، لم تكن الروابط السببية بينها واضحة كما ادعى سوغي: ففي حالة الركاب، كان ظهور طبقة الفرسان جارياً بالفعل بشكل مستقل عن الركاب، وفي حالة الطباعة، كانت النهضة مهيأة اجتماعياً للظهور. ثانياً، مع تطور التكنولوجيا، بدأت بعض نظريات الحتمية التكنولوجية تُسيّس: فجعل التكنولوجيا تبدو وكأنها تُحدد المجتمع يُضفي عليها جاذبية لا تُقاوم. ومن الأمثلة الحديثة الجيدة على الحتمية التكنولوجية قانون مور. فمنذ أن اتبعت صناعة الذاكرة الإلكترونية قانون مور وأثّرت في المجتمع، أصبح هذا القانون مثالاً جيداً على الحتمية التكنولوجية. مع ذلك، بُذلت جهود كبيرة في الخفاء لجعل قانون مور قانوناً نافذاً. ادّعت شركة سامسونج للإلكترونيات "قانون هوانغ"، الذي يُقلّص الفترة الزمنية بين قانون مور وقانون هوانغ إلى عام واحد، بل وأثبتت صحته لفترة من الزمن. وقد عزّزت هذه الحتمية التكنولوجية الاصطناعية في الواقع الحجة القائلة بأن المجتمع هو من يُحدّد التكنولوجيا.
باختصار، يمكننا القول إن هيمنة البنائية الاجتماعية على الحتمية التكنولوجية كانت قائمة على "الحذر من التقنيات المُهدِّدة"، و"قصور الحتمية التكنولوجية"، و"ظهور الحتمية التكنولوجية الاصطناعية". مع ذلك، وكما أوضحنا، تعود الحتمية التكنولوجية لتتبوأ الصدارة من جديد. فالأسباب الثلاثة التي جعلت البنائية الاجتماعية تتفوق على الحتمية التكنولوجية في الماضي، تعمل الآن في الاتجاه المعاكس، إذ تتفوق الحتمية التكنولوجية على البنائية الاجتماعية. وسأختتم حجتي، التي مفادها أننا نمر بفترة هيمنة الحتمية التكنولوجية، بإعادة ذكر هذه الأسباب الثلاثة.
أولًا، لم تعد نقاط ضعف الحتمية التكنولوجية، التي كانت حاضرة منذ فجر التاريخ التكنولوجي، وتحديدًا القدرة على إبقاء التقنيات التي قد تهدد المجتمع تحت سيطرة المجتمع، قوية كما كانت في السابق. بالطبع، لا تزال هناك تقنيات قادرة على تهديد المجتمع. فالأسلحة النووية والبيولوجية قادرة على تهديد البشرية في أي وقت، وفضيحة المراقبة الحكومية الأمريكية الشهيرة عام 2013 تشير إلى أننا قد نكون تحت المراقبة في أي لحظة. ومع ذلك، فإن اعتمادنا الكبير على التكنولوجيا في حياتنا هو ما جعل محاولات إخضاعها لسلطة المجتمع أقل قوة. فالتكنولوجيا تتغلغل في كل جانب من جوانب الحياة البشرية. لقد أثرى تطور الكهرباء، وتطور الاتصالات، وتطور الطب، وتطور الهندسة الميكانيكية، وغيرها، حياة الإنسان، ومن المستحيل رفض التكنولوجيا. لم يعد من الممكن وضع المجتمع فوق التكنولوجيا، فالمجتمع يتأثر بها بشكل مباشر.
ثانيًا، تُعوّض التكنولوجيا عن قصور الحتمية التكنولوجية. في الماضي، كان قصور الحتمية التكنولوجية إشكاليًا لأنه كان يستند إلى أمثلة من زمنٍ بدت فيه الحتمية التكنولوجية مهيمنة، بينما كان تأثير التكنولوجيا على المجتمع مختلطًا من الناحية التقنية. مع ذلك، ونظرًا لطبيعة التفاعل المتبادل بين التكنولوجيا والمجتمع، فإن أي مثال لا بد أن يحتوي على قصور، ويمكن دائمًا مناقشة هذه الأمثلة. لكن تأثير التكنولوجيا على المجتمع اليوم أكبر مما كان عليه في أيام الركاب والطباعة والمحرك البخاري، وأصبحت عيوب الحتمية التكنولوجية أقل وضوحًا. بعبارة أخرى، تُعد عيوب الحتمية التكنولوجية عاملًا حتميًا ولكنه متناقص في العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع.
أخيرًا، لا يزال الخطاب السياسي الذي برز في ظل الحتمية التكنولوجية السابقة، والذي لم ينبع من خصائص التكنولوجيا نفسها، قائمًا، ولكنه وصل إلى مرحلة باتت فيها التكنولوجيا قادرة على تطوير خطابها الخاص. فالتكنولوجيا تُطوّر منطقها الخاص تدريجيًا، مما يعني أنه بات من الصعب بشكل متزايد خلق حتمية تكنولوجية مصطنعة. ويُظهر فشل شركات كانت مهيمنة، مثل موتورولا، في الحفاظ على نفوذها وتراجعها أمام الهواتف الذكية، أن حتى المنظمات ذات النفوذ السياسي الراسخ لا تستطيع خلق حتمية تكنولوجية. وبينما يتقلص مجال تدخل المجتمع في التكنولوجيا، فإن التكنولوجيا نفسها تقترب من مرحلة تستطيع فيها التأثير على المجتمع ووضع معاييره. وتُعد حركة هونغ كونغ المؤيدة للديمقراطية عام 2014، التي انطلقت شرارتها من وسائل التواصل الاجتماعي، مثالًا جيدًا على ذلك.
لقد ناقشنا حتى الآن معنى الحتمية التكنولوجية في جزأين، وبيّنا لماذا نعيش في زمنٍ تسود فيه الحتمية التكنولوجية على البنائية الاجتماعية. في الجزء الأول "تأثير التكنولوجيا على التكنولوجيا"، أوضحنا أن التكنولوجيا تُسبب التكنولوجيا. وفي الجزء الثاني "تأثير التكنولوجيا على المجتمع"، أوضحنا أن التكنولوجيا تتجاوز "الحذر من التقنيات المُهددة"، و"قصور الحتمية التكنولوجية"، و"ظهور الحتمية التكنولوجية الاصطناعية"، وهي الأسس التي بُنيت عليها الحجة القائلة بأن البنائية الاجتماعية تتفوق على الحتمية التكنولوجية. تشير هذه النتائج مجتمعةً إلى أننا ندخل مرحلةً في تاريخ البشرية تعود فيها الحتمية التكنولوجية إلى السيطرة.
مع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن مشاكل ونقاط ضعف الحتمية التكنولوجية، من منظور البنائية الاجتماعية، لم تُحل بعد. فالحتمية التكنولوجية الحالية تُخفي مشاكلها ونقاط ضعفها وراء نقاط قوتها. والآن، وقد بات المجتمع يُقاس بمعايير التكنولوجيا، بات من الصعب للغاية إبقاء التكنولوجيا تحت تأثير المجتمع. وبينما يُمكن القول بأن عصرنا الحالي يتشكل بفعل خطاب الحتمية التكنولوجية، علينا أن نحذر من إضفاء طابع مطلق على هذا الخطاب والسماح لمشاكله ونقاط ضعفه بالتأثير على المجتمع.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.