تتناول هذه التدوينة مسألة التوازن وأهمية ما إذا كان ينبغي للعلماء التركيز على الأبحاث أو إعطاء الأولوية للتواصل مع الجمهور.
مع تزايد الاهتمام بالعلوم والتكنولوجيا، يتزايد تفاعل العلماء مع الجمهور، حيث يكرسون جهودهم للتواصل من خلال المحاضرات وتأليف الكتب والظهور الإعلامي. يُعدّ التفاعل مع الجمهور بحد ذاته أمرًا إيجابيًا ومفيدًا للمجتمع والأفراد على حد سواء. ولكن ماذا لو أعطى العلماء الأولوية للتواصل مع الجمهور على حساب أبحاثهم؟ في الواقع، هناك حالاتٌ أهمل فيها بعض العلماء أبحاثهم سعيًا وراء الشهرة العامة وتأمين التمويل اللازم. وهذا قد يُشكّل تحدياتٍ كبيرة أمام تقدّم العلم والمجتمع.
يتناول هذا المقال موضوع ما إذا كان من الضروري أن يمتلك العلماء القدرة على إلقاء المحاضرات أمام الجمهور والكتابة لعامة الناس. تكمن المسؤولية الأساسية للعالم في اكتشاف معارف علمية جديدة وتنمية المواهب المتميزة. إن اشتراط امتلاكهم لمهارات أخرى غير البحث العلمي، كمهارات التواصل، قد يُثقل كاهل العالم والمجتمع على حد سواء. بالطبع، لا ينطبق هذا على العلماء الذين يمتلكون بالفعل مهارات تواصل قوية. مع ذلك، ولأن العديد من العلماء يفتقرون إلى هذه المهارات، سيكون من الأجدى وجود وسائل إعلامية أو كوادر متخصصة في نقل نتائج الأبحاث إلى الجمهور بفعالية.
علاوة على ذلك، فإن أحد الأسباب التي تدفع العلماء إلى مشاركة نتائج أبحاثهم مع الجمهور هو اكتساب الشهرة والشعبية، وذلك لضمان الحصول على المزيد من التمويل للأبحاث. وفي مثل هذه الظروف، إذا انشغل العلماء بالشهرة بشكل مفرط، فلا يمكن استبعاد احتمال تحريف محتوى أبحاثهم. على سبيل المثال، في عام 2005، اكتسب الدكتور هوانغ وو سوك شهرة واسعة من خلال تزوير أوراق بحثية، لكن الكشف اللاحق عن هذا التزوير تسبب في فضيحة مدوية. وقد شوّهت هذه الحادثة الصورة العامة لأبحاث الخلايا الجذعية، ونشرت عدم الثقة في العلم، وعرقلت في نهاية المطاف التقدم التكنولوجي. إن إعطاء الأولوية للشهرة العامة على حساب البحث العلمي يعيق في نهاية المطاف تقدم العلوم والتكنولوجيا.
من جهة أخرى، ثمة آثار إيجابية هامة عندما يمتلك العلماء القدرة على التواصل مع الجمهور. فمع ارتفاع المستوى التعليمي العام، ارتفع مستوى الفهم العلمي والتكنولوجي، وتطورت لدى الجمهور القدرة الفكرية على استيعاب العلوم المتقدمة. وهذا يتيح للعلماء ميزة مشاركة توجهات أبحاثهم مع الجمهور، وتلقي الملاحظات، وإجراء التعديلات اللازمة. مع ذلك، إذا ما تم تحديد توجه البحث بناءً على انعكاس مفرط لرأي الجمهور، يزداد خطر الانحراف نحو البحث التجاري على حساب البحث الأكاديمي. يميل الجمهور إلى الاهتمام بالبحوث ذات التطبيقات العملية المباشرة، مما يجعل هذا التوجه يُرجّح إعطاء الأولوية للبحث التجاري على البحث الأكاديمي. ونتيجة لذلك، مع ميل البحث العلمي والتكنولوجي نحو المجالات التجارية، قد يتباطأ معدل التطور في بحوث العلوم الطبيعية نسبيًا.
على الرغم من وجود اتجاه حديث نحو زيادة الاستثمار في قطاع العلوم الطبيعية، إلا أن الواقع يظل أن تمويل البحوث في مجالات الهندسة أكبر بكثير. وحتى لو زاد تمويل بحوث العلوم الطبيعية بشكل ملحوظ، فسيكون من الصعب مواكبة مستوى الاستثمار في بحوث الهندسة. في الواقع، سُلِّط الضوء على هذا الخلل في تخصيص التمويل في تقرير بحثي صدر عام ٢٠٠٦ بعنوان "دراسة حول التوزيع العقلاني لتمويل البحوث من أجل تطوير العلوم الأساسية" ومقال صدر عام ٢٠١٢ بعنوان "يجب القضاء على المقاومة والفقاعة في الاستثمار في العلوم الأساسية". من غير المرجح أن يتغير هذا التصور بسهولة على المدى القصير، مما يزيد من احتمالية تركيز العلماء على البحوث التي تعكس الطلب العام.
بالطبع، يمكن للقدرة على التواصل مع الجمهور أن تلعب دورًا إيجابيًا في إنعاش مجالات البحث المهملة من خلال التأكيد على أهميتها وضرورتها. ومع ذلك، فإن هذا يعود في النهاية إلى ضرورة إعطاء أهمية البحث نفسه أولوية أكبر، وذلك لأن أهمية البحث وضرورته يمكن التعبير عنها بشكل كافٍ من خلال نتائجه.
يُركز علماء مشهورون مثل ريتشارد فاينمان وستيفن هوكينغ في الغالب على تقديم محتوى علمي مُبسط للجمهور العام من خلال كتب ومحاضرات علمية مُبسطة، بدلاً من أبحاثهم العلمية. ورغم أن هذا يُسهم في زيادة اهتمام الجمهور بالعلوم وفهمه لها، إلا أنه لا يُوفر معلومات بحثية جوهرية. إن نشر المعرفة العلمية على نطاق واسع وجعلها مألوفة للجمهور أمر إيجابي، ولكنه لا يُوفر لهم معلومات تقنية عملية.
شهدت بعض مراحل تطور العلوم والتكنولوجيا حالاتٍ انقطعت فيها قنوات التواصل مع الجمهور. فعلى سبيل المثال، تمكنت منشآت خطيرة كمحطات الطاقة النووية ومواقع التخلص من النفايات المشعة من التطور تحديدًا بسبب هذا الانقطاع عن الجمهور. ولو كانت مخاطر الطاقة النووية معروفة على نطاق واسع مسبقًا، لما وصلت إلى هذا المستوى من التطور. ورغم أن انقطاع التواصل مع الجمهور كان خطأً، إلا أنه أدى إلى تقدم العديد من التقنيات التي تُسهم في حياة الإنسان. فعلى سبيل المثال، لولا محطات الطاقة النووية، لكان الكثيرون يعانون من نقص الكهرباء، ولكان التدمير البيئي كارثيًا. إذا سعينا إلى تطوير العلوم والتكنولوجيا مع تحذير الجمهور باستمرار من مخاطرها، فعلينا أن نُدرك أن وتيرة التقدم العلمي قد تتباطأ بسبب مخاطر بسيطة.
ختاماً، ينبغي على العلماء إعطاء الأولوية لأبحاثهم وواجباتهم على حساب التواصل مع الجمهور. فبينما يُمكن للتواصل الفعال أن يُحقق تعاوناً إيجابياً، فإنّ نسيان الواجبات والسعي وراء الشعبية فقط سيُلقي بظلاله القاتمة على مستقبل التقدم العلمي.