تلقي هذه التدوينة نظرة متوازنة على تأثير التقدم العلمي والتكنولوجي على البشرية والجدل الدائر حوله.
منذ الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، لم تتوقف البشرية عن السعي نحو التقدم العلمي. وعلى عكس المجالات الأكاديمية والتكنولوجية الأخرى، فإن وصف العلم وحده بأنه "ثورة" يُظهر الأثر العميق الذي أحدثه في البشرية. ويُبين استعراض إسهامات العلم في حياة البشرية أنه يتجاوز مجرد توضيح مبادئ الظواهر الطبيعية. فقد ساهم التطور التكنولوجي القائم على العلم في نمو الهندسة، مما أثرى حياة الإنسان بشكل ملحوظ. ومع تحسن جودة الحياة، استثمر الرأسماليون في التكنولوجيا، مما أدى إلى آثار إضافية غذّت النمو الاقتصادي العالمي.
يمكن التحقق من إسهامات العلم في خدمة البشرية من خلال معايير موضوعية. فمقارنةً بالعصور الوسطى، حين كان الدين محور الحضارة الإنسانية، يُظهر العصر الحديث تقدماً ملحوظاً في مؤشرات عديدة، كحجم المعروض النقدي، ومعدلات النمو الاقتصادي، ومتوسط العمر المتوقع، ومعدلات انتشار الأمراض. وهكذا، لم يقتصر العلم على مجال واحد، بل أصبح القوة الدافعة الأساسية في شتى المجالات.
ومع ذلك، وبمعزل عن هذه الجوانب الإيجابية، هناك أيضًا منظورٌ يُشير إلى أن العلم يُلحق الضرر بالبشرية. على سبيل المثال، بينما ساهم تطوير الأسلحة في حماية البشرية من الحيوانات المفترسة، فقد أدى في الوقت نفسه إلى ابتكار أسلحة دمار شامل كالأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، مما يُهدد بقتل مئات الآلاف على الفور. علاوةً على ذلك، جلبت الوقود الأحفوري كالفحم والنفط وفرةً غير مسبوقة في الطاقة في تاريخ البشرية، إلا أنها تسببت أيضًا في مشاكل بيئية خطيرة مثل تلوث الغبار الناعم والاحتباس الحراري.
بالنظر إلى المستقبل، من المتوقع أن يعزز التقدم في التكنولوجيا الحيوية الإنتاجية الزراعية ويُحسّن الصحة، ولكن نظرًا لتكاليف الأبحاث الباهظة، يُخشى أيضًا من أن تصبح حكرًا على بعض الرأسماليين. كما أن تكنولوجيا البيانات الضخمة تُوفر معايير اتخاذ قرارات أكثر أمانًا وعقلانية، إلا أنها تحمل في طياتها أيضًا خطر الحد من إمكانات الأفراد وخياراتهم.
حتى الآن، تقبّلت البشرية هذه التنازلات بموجب المبدأ الأساسي القائل بأن "الحصول على شيء يستلزم التخلي عن شيء آخر". إلا أن وتيرة التقدم العلمي الحديث سريعة للغاية لدرجة أن نطاق التغيير أصبح هائلاً بشكل لا يمكن التنبؤ به، أشبه بـ"ركوب نمر". لا يمكن تجاهل احتمال وقوع أحداث في مراحل وسيطة لا تستطيع البشرية التعامل معها. بالنظر إلى المستقبل بهذه الطريقة، قد يبدو الوتيرة السريعة الحالية للتطور العلمي سلبية.
ومع ذلك، أعتقد أن التقدم العلمي المستمر سيجلب النفع والسعادة للبشرية. ويمكن تفسير هذا الاعتقاد من خلال ثلاثة جوانب:
يكمن السبب الأول في مبدأ "السم لمواجهة السم". هذا يعني مواجهة السم بالسم، مُمثلاً منظوراً مفاده أن العلوم والتكنولوجيا الضارة يمكن تعويضها من خلال تقدم علوم وتقنيات أخرى. وبينما يُواجه هذا المبدأ انتقادات لكونه مجرد حل مؤقت، إلا أنه يُمكن أن يكون وسيلة عملية تُحقق نتائج ملموسة.
على سبيل المثال، تُعالج مشكلة التلوث البيئي الناجم عن استخدام الوقود الأحفوري من خلال التقنية الحيوية التي تستخدم جينات الكائنات الدقيقة التي تتغذى على ثاني أكسيد الكربون. ومن الأمثلة التاريخية على ذلك التكنولوجيا النووية. فبينما يُمكن إساءة استخدام الفيزياء النووية لصنع أسلحة حرب، إلا أنها تنطوي أيضاً على جانب إيجابي يتمثل في توليد الطاقة النووية. وبالطبع، تُعدّ الحوادث النووية مثل تشيرنوبيل وفوكوشيما من أسوأ الكوارث التي تسبب بها الإنسان في التاريخ، وقد زادت من النفور من التكنولوجيا النووية. ومع ذلك، لا تزال العديد من الدول تُحافظ على برامجها للطاقة النووية. والسبب هو أن الصدمات الاقتصادية والطاقية الناجمة عن التخلي عن الطاقة النووية قد تكون أشدّ وطأةً من عواقب وقوع حادث نووي.
بدافع هذه الضرورة، شهدت التكنولوجيا النووية تطورًا مستمرًا، حتى وصلت إلى مستوى يُمكن فيه الآن خفض احتمال وقوع حادث نووي إلى 10^-7. وتستند معارضة سياسات التخلص التدريجي من الطاقة النووية أيضًا إلى هذه الثقة التكنولوجية. وبالتالي، يُمكن التخفيف بشكل كافٍ من آثار التطورات العلمية والتكنولوجية التي قد تُلحق الضرر بالبشرية من خلال ابتكارات علمية وتكنولوجية أخرى. ومن الأمثلة النموذجية على ذلك تطوير مواد ماصة اصطناعية تلتقط الغبار الناعم، أو تقنية التمثيل الضوئي الاصطناعي التي تستخدم ثاني أكسيد الكربون كمصدر للطاقة. تُثبت هذه التقنيات أن العلم قادر على العمل كنظام "تغذية راجعة سلبية"، مُحققًا التوازن من خلال التنظيم الذاتي.
السبب الثاني هو أن "احتكار العلم أمرٌ مستحيل". ينبع الادعاء بأن التقدم العلمي يضر بالبشرية عمومًا من مخاوف تركز فوائد العلم والتكنولوجيا في أيدي قلةٍ متميزة. وكما أشار ألفين توفلر في كتابه "مستقبل الثروة"، فإن الأصول الأساسية في المجتمع الحديث تتحول من السلع المادية إلى المعرفة والمعلومات. لذا، يُقال إنه إذا احتكرت أقليةٌ هذه الملكية الفكرية واستولت على فوائد العلم والتكنولوجيا، فقد يؤدي ذلك إلى تفاوتٍ لا يُتصور.
لكن الواقع يختلف. ينشر معظم العلماء نتائج أبحاثهم على شكل أوراق بحثية أو تقارير، مما يُمكّن الباحثين الآخرين من فهمها والبناء عليها. ينبع هذا من طبيعة العلم المتأصلة كتخصص قائم على المشاركة والتراكم، ومن الرغبة الشخصية في ترك النظريات أو الثوابت التي تحمل اسم الباحث. ولا يختلف قطاع التكنولوجيا عن ذلك. فبراءات الاختراع وسيلة لحماية التكنولوجيا وآلية للكشف عن جوهرها. لذلك، مع توفر المعدات اللازمة، يُمكن تكرار معظم التقنيات.
بينما يساور البعض القلق بشأن إمكانية تطوير بعض التقنيات سرًا، فإن التقنيات الجديدة تتطلب عقودًا من البحث واستثمارات رأسمالية ضخمة. فعلى سبيل المثال، يكلف تطوير دواء جديد ما يقارب 10 تريليونات وون في المتوسط. كما أن مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والاستنساخ الاصطناعي تُحقق من خلال التعاون الدولي والاستثمار عبر الأجيال. في مجتمعنا المعاصر، يُسجل تدفق رأس المال ويُدار في الوقت الفعلي، مما يجعل تطوير التكنولوجيا واحتكارها سرًا أمرًا شبه مستحيل.
علاوة على ذلك، يميل مطورو التكنولوجيا بشدة إلى السعي لتحقيق الأرباح من خلال نشر تقنياتهم واستخدامها على نطاق واسع بدلاً من إخفائها. وبالنظر إلى تطبيقات أو ألعاب مثل فيسبوك، وتويتر، وكاكاو توك، وببجي، وليج أوف ليجيندز، يتضح جلياً أن التكنولوجيا تعمل بطريقة تُعظّم القيمة من خلال المشاركة والنشر بدلاً من الاحتكار. ولهذا السبب، يصعب تحقيق احتكار العلوم والتكنولوجيا في الواقع.
أما السبب الثالث فيعود إلى "وظيفة العلم في التطوير الذاتي". فالعلم في جوهره منهجٌ للتفكير يهدف إلى استكشاف الطبيعة وفهمها، حتى أنه كان يُطلق عليه في بداياته "الفلسفة الطبيعية". وبينما ركزت التفسيرات السابقة على جدوى العلم وفائدته، تُبرز هذه الحجة قدرة العلم على منح الإنسان الاستقرار النفسي والرضا.
قد يظن كثيرون أن العلم مجرد أداة عملية لإثراء الحياة اليومية. إلا أن العلم في جوهره عملية استدلالية دقيقة، ومنهج يُشبع فضول الإنسان الفكري. فعلى سبيل المثال، يمكن فهم المفهوم العلمي القائل بأن الإنتروبيا في الكون تتزايد باستمرار، بفهم يُضاهي تفسير "أغنية العاصمة الشرقية". غالباً ما يبدو العلم صعباً، لا سيما أنه يستخدم لغة الرياضيات؛ ولكن إذا اعتبرنا ذلك شكلاً من أشكال التعبير، كالنوتات الموسيقية، فإنّ عتبة التعلّم ليست عالية.
مثلما يُثري الأدب المشاعر، وتُوفر الموسيقى الاستقرار العاطفي، يُمكن للعلم أن يُحقق الرضا النفسي. في الواقع، تُستخدم قراءة القصص الخيالية أو الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية في العلاج النفسي، مما يُثبت أن للأنشطة الثقافية تأثيرًا كبيرًا على الصحة النفسية. وبالمثل، يُمكن للعلم أن يُعمق الفكر البشري ويُوفر الرضا العاطفي من خلال تقديم آفاق جديدة لفهم العالم. إذا تخلينا عن نفورنا من العلم واعتنقناه بشكل طبيعي، يُمكن اعتباره تخصصًا قادرًا على تحريكنا، تمامًا مثل مآسي شكسبير الأربع العظيمة أو "كبرياء وتحامل".
لهذه الأسباب، أعتقد أنه من خلال التقدم المستمر في العلم والتكنولوجيا، سيشعر المزيد من الناس بالقيمة الروحية والسعادة التي يُضفيها العلم. وهذا يقودنا مباشرةً إلى القناعة بأن العلم قادر على منح البشر الرضا الروحي.
ختامًا، واستنادًا إلى الأسباب الثلاثة المذكورة أعلاه - قدرة العلم والتكنولوجيا على التنظيم الذاتي، وعدم واقعية احتكار التكنولوجيا، ودورها في الارتقاء الداخلي المؤدي إلى الرضا الروحي - فأنا على ثقة بأن التقدم المستمر للعلم والتكنولوجيا سيتغلب على المخاوف الراهنة، وسيوفر للبشرية حياة أكثر ازدهارًا وسعادة. لطالما كان العلم القوة الدافعة لاكتشاف آفاق جديدة، وسيظل كذلك.