تتعمق هذه المدونة في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي كائنًا قادرًا حقًا على "التفكير" مثل البشر، أم أنه مجرد آلة تحاكي الذكاء.
ما هو الذكاء الاصطناعى؟
من السهل إدراك أن اختصار AI يرمز إلى الذكاء الاصطناعي. يُفسَّر الذكاء الاصطناعي غالبًا على أنه أنظمة تحاكي معرفة السلوك البشري للتصرف وفقًا له. على سبيل المثال، برنامج AlphaGo، الذي هزم لي سيدول في لعبة غو، أو الأنظمة المبرمجة في السيارات ذاتية القيادة - جميع الآلات التي تستطيع محاكاة ذكاء البشر وترجمته إلى أفعال تُسمى ذكاءً اصطناعيًا. مع ذلك، أعتقد أنه يجب علينا إعادة تفسير الذكاء الاصطناعي بناءً على معناه الحرفي. ببساطة، يعني الذكاء الاصطناعي الذكاء المُطوَّر اصطناعيًا. يشير مصطلح "اصطناعي" إلى شيء "صُنع" بواسطة البشرية، سواءً بقصد أو بغير قصد. ومع ذلك، يُعدّ الذكاء قدرةً يصعب تعريفها للغاية. نظرًا لأن العلماء المختلفين يفسرون الذكاء بطرقٍ متنوعة، فإن تعريفه لعامة الناس يُصبح أكثر صعوبة. لذلك، أودّ الاستعانة بورقة أليكس ويسنر-غروس البحثية حول الذكاء.
الذكاء: قدرة تختلف عن الفكر
يقترح أليكس ويسنر-غروس أنه لو أردنا ترك جملة واحدة لمساعدة الأجيال القادمة على إعادة بناء أو فهم الذكاء الاصطناعي، لكانت: "الذكاء عملية فيزيائية تزيد من حرية التصرفات المستقبلية وتمنع القيود المفروضة على مستقبلها". ثم عبّر عن ذلك بالصيغة التالية:
F = T∇Sτ
هذه معادلة للذكاء. بافتراض أن الذكاء هو F، وT يمثل قوة ما، وS يدل على تنوع الاحتمالات المستقبلية الممكنة، وτ يشير إلى نقطة محددة في المستقبل. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه المعادلة غريبة، لكنها في الواقع تحفز سلوكيات نربطها عادةً بالذكاء. أدخل هذه المعادلة في نظام موضوع في موقف معين، وسيقوم النظام بموازنة قضيب دون أي تعليمات، أو سيلعب لعبة بونغ تلقائيًا. كما أنها تمكّن الأنظمة من زيادة أصولها في محاكاة تداول الأسهم، أو إنشاء شبكات اجتماعية مترابطة. نلاحظ أن ما يعتبره البشر أفعالًا فكرية، مثل التعاون الاجتماعي، ناتج عن هذه المعادلة.
مع ذلك، من السهل إدراك أن امتلاك الآلة للذكاء والتفكير أمران منفصلان. فكما ذُكر سابقًا، الذكاء مجرد وسيلة لتحقيق غاية لتجنب القيود المستقبلية. أما التفكير، فهو مفهوم أسمى يشمل ذلك، إذ ينطوي على السعي لتحقيق الأهداف والرغبة في استشراف المستقبل. على سبيل المثال، عندما نراقب الحيوانات الأخرى وهي تستخدم الأدوات أو تصطاد في جماعات، نعتبرها تصطاد بذكاء، لكن يصعب علينا اعتبارها كائنات مفكرة. علاوة على ذلك، غالبًا ما يُظهر الأفراد ذوو الإعاقات الذهنية إبداعًا ملحوظًا في مجالات متنوعة رغم عدم اكتمال نمو قدراتهم الذهنية. هذا يشير إلى أن الذكاء مجرد أداة تُستخدم لتحقيق غاية؛ فامتلاك الذكاء لا يُعادل التفكير. لذا، عندما يُثبت الذكاء الاصطناعي قدرته على التفكير، يجب أن يتغير مفهوم "الذكاء الاصطناعي" نفسه، إذ سيتجاوز مستوى مجرد امتلاك الذكاء ليُصبح قادرًا على التفكير فعليًا.
هل توجد طريقة لإثبات التفكير؟
على مر التاريخ، طوّرت البشرية الذكاء الاصطناعي وهي لا ترى إلا الجانب الظاهر منه. يشير هذا الجانب إلى القيم المحسوبة التي يعرضها الذكاء الاصطناعي ظاهريًا. أي نظام يُدخل فيه بيانات (أ) فينتج عنه مخرجات (ب)، موفرًا إجابة دقيقة لسؤال ما. لتوضيح ذلك ببساطة، لنأخذ مثالًا واحدًا. في فيديو محاضرة كين غولدبيرغ على منصة TED، يمكنك رؤية روبوت يُسمى "الحديقة عن بُعد". الحديقة عن بُعد هي نظام يُمكّن أي شخص من الوصول إلى روبوت حديقة عبر الإنترنت لريّ النباتات أو زراعة البذور. هذا النظام مُثبّت في بهو متحف في النمسا. مع ذلك، يمكن طرح هذا السؤال على من يتحكمون به عن بُعد: "هل الروبوت حقيقي؟" حتى لو لم يكن هناك روبوت، يمكننا نشر صور عبر الإنترنت باستخدام صور مختلفة لإيهام الناس بوجود روبوت. هذا يُشابه مشكلة ديكارت المعرفية. يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بالمثل على أنه مشكلة معرفية. فهل الذكاء الاصطناعي نظام يُخرج بيانات بناءً على بيانات مُدخلة؟ هذا سؤال معرفي. بعبارة أخرى، لا يسعنا إلا أن نتساءل عما إذا كان الذكاء الاصطناعي يُفكّر.
إذن، ألا يمكننا رؤية الجانب الآخر من العملة؟ أجيب على هذا السؤال بكل ثقة: نعم. في محاضرة شاهدتها على منصة TED لبليز أغويرا إي أركاس، طرح سؤالاً حول الإبداع مستخدماً المعادلة التالية:
Y = W(*)X
يمثل W الشبكة العصبية المعقدة للدماغ، وX بيانات الأشياء المدركة عبر الحواس الخمس، وتشير (*) إلى كيفية تفاعل الشبكة العصبية عند إدخال بيانات X. وأخيرًا، Y هي البيانات التي ندركها ونخرجها من X. يقترح TED أن الخريطة العصبية W يمكن تقريبها باستخدام عمليات X وY و(*). وهذا يسمح لنا باستخلاص النتيجة Y عند إدخال X. ومن خلال ذلك، اكتسبنا بعض الفهم للإبداع والتفكير. ومع ذلك، يدفعنا هذا إلى التساؤل عما إذا كانت قيمة Y الناتجة كاملة حقًا. في TED، عندما تم إدخال قيمة "كلب" إلى X، رأيناها ترسم صورة كلب كـ Y. ولكن إذا طلبنا من البشر رسم كلب، فهل يمكنهم إنتاج صورة مفصلة وواضحة المعالم مثل تلك التي في TED؟ تساءلتُ عما إذا كان بإمكانهم رسم كلب بشكل مختلف عن الآخرين إذا طُلب منهم ذلك. بعبارة أخرى، يبدو الأمر وكأنه مجرد مجموعة من البيانات المستمدة من البيانات الضخمة. لكن ماذا لو تمكنت البشرية من فك شفرة W، الشبكة العصبية، بشكل كامل؟ من المرجح أن تتمكن من استخلاص القيمة Y من خلال X و(*) وW، تمامًا كما يفعل البشر. حينها، بدلًا من الاعتماد كليًا على البيانات الضخمة، ستتمكن من تطوير W بشكل مستقل، مثل البشر، والتعبير عن القيمة Y بطريقتها الفريدة. سيُمكّن هذا البشرية من قلب الطاولة وكشف الوجه الآخر: الإبداع والتفكير.
متى سنفهم الجهاز العصبي فهمًا كاملًا، ونُحرز تقدمًا في علم الأعصاب، ونُفسر تمامًا مجموعة الخلايا العصبية؟ في هذا الصدد، أود أن أقتبس قول ديكسترا: "إن مسألة قدرة الآلات على التفكير لا تقل أهمية عن مسألة قدرة الغواصات على السباحة". لقد استغرقت البشرية آلاف السنين بعد بناء السفن والإبحار في البحار حتى تمكنت أخيرًا من ابتكار الغواصات وبدء استكشاف أعماق المحيط المجهولة. أما الذكاء الاصطناعي، فهو الآن بصدد بناء السفن والإبحار في البحار. لذلك، لا يساورني أدنى شك في أن البشرية ستُفسر يومًا ما عالم الفكر المجهول، وستُبدع آلاتٍ تُفكر.