عندما يكتسب الذكاء الاصطناعي القدرة على الإبداع، فأين سيذهب البشر؟

تستكشف هذه المدونة كيف تُغير التكنولوجيا الأدوار البشرية والهوية، حيث يمتلك الذكاء الاصطناعي سريع التطور الآن الإبداع ويبدأ في التعدي على مجالنا الفريد.

 

إلى متى سنظل نُطلق على النافذة اسم نافذة؟ إذا أزلنا الزجاج من إطار النافذة واستبدلناه بلوحة شمسية شفافة، واستخدمنا الكهرباء التي تولدها لإضاءة المنزل، فهل يُمكننا أن نُطلق عليها اسم "نافذة"؟ أو إذا استُبدلت النوافذ تمامًا بجهاز يُحافظ على درجة الحرارة الداخلية مع حجب الملوثات الخارجية، فهل سيبقى للنوافذ مكانٌ أصلاً؟
في عام ٢٠١٨، نشرت مجلة "سبورتس إليستريتد" الأمريكية الشهيرة صورة برينا هاكابي، مبتورة الساقين، كعارضة أزياء بملابس السباحة لأول مرة في تاريخها. هاكابي هي الرياضية التي شاركت في منافسات التزلج على الجليد في دورة الألعاب البارالمبية في بيونغ تشانغ وفازت بالميدالية الذهبية. اليوم، لم يعد من المستغرب أن يستخدم الأشخاص الذين فقدوا أحد أعضاء أجسامهم، سواءً كان ذلك خلقيًا أو نتيجة إصابة، أجهزةً ميكانيكية كبدائل. تعمل الشركات حاليًا على تطوير وتوفير أطراف صناعية مزودة بمستشعرات متطورة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وآليات قيادة دقيقة. ونتيجةً لذلك، بدأت المنتجات التي تتجاوز مجرد المساعدة لتحقيق "حركة طبيعية" و"استشعار نوايا المستخدم" تدخل تدريجيًا مراحل التسويق أو التطبيق السريري الفعلي.
على سبيل المثال، من بين الأطراف الاصطناعية الروبوتية التي كُشف عنها مؤخرًا، تتضمن بعضها محركات كهربائية، ومستشعرات متعددة، وأنظمة تغذية راجعة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد نية المستخدم في الحركة في الوقت الفعلي والمساعدة على المشي. وقد حصلت بعض المنتجات بالفعل على موافقة تجارية لمساعدة المرضى على المشي. تُحوّل هذه التقنيات تدريجيًا إمكانيات كانت تُعتبر في السابق "ممكنة في المستقبل" إلى واقع ملموس.
بما أننا لا نستطيع التنبؤ بالمستقبل، فلا يسعنا إلا استنتاج اتجاهه من خلال دراسة الاتجاهات السابقة. كانت أولى جراحات التجميل الحديثة جراحة ترميمية لمساعدة الجنود المصابين في الحرب على الاندماج مجددًا في المجتمع. ونظرًا للقيود التكنولوجية آنذاك، بدت مواقع الجراحة غير طبيعية. إلا أن التكنولوجيا الطبية شهدت تقدمًا مطردًا منذ ذلك الحين، وأصبحت التغييرات التي كانت تُعتبر مستحيلة في السابق مقبولة على نطاق واسع. ونتيجة لذلك، توسعت جراحة التجميل لتشمل مجال الجماليات، ويلجأ إليها عامة الناس لأسباب مختلفة، منها تعزيز ثقتهم بأنفسهم.
مثال آخر على ذلك هو جراحة الليزك. استُحدثت هذه التقنية الجراحية في البداية لاستعادة الرؤية الطبيعية لمن يعانون من ضعف البصر، وتطورت باستمرار. وبينما لا تزال الإجراءات الحالية، مثل الليزك والليزك والسمايل، شائعة في تصحيح البصر اليوم، يستمر البحث في تحسين الرؤية بمستويات أعلى، مثل العدسات الحيوية، واستبدال العدسات الاصطناعية داخل العين، والعلاجات القائمة على تجديد الخلايا. وبينما لا تزال بعض التقنيات في مرحلة التجارب السريرية، يتسارع توجه البشرية نحو تحسين الرؤية وتحسين القدرات الحسية. في نهاية المطاف، تُعدّ تقنية تصحيح البصر مثالاً بارزاً على رغبة البشرية الدؤوبة في تطوير القدرات البشرية.
على الرغم من أن هذه الحقائق التاريخية لا تعني بالضرورة استنتاجًا قاطعًا بأن البشرية ستستبدل حتمًا أجزاءً من جسدها بآلات، إلا أن أمرًا واحدًا واضح. لم تتوقف البشرية قط عن رغبتها في الحصول على عيون أفضل، ومظهر أفضل، وقدرات أفضل، وقد ساهمت التكنولوجيا باستمرار في رفع مستوى هذه الرغبة إلى مستوى يجعلها قابلة للتحقيق. لقد فتح التقدم العلمي الباب أمام البشرية لتجاوز حدود جنسها، ولكن من المرجح أن تبدو الكائنات الناتجة مختلفة عن الإنسان العاقل الذي نعرفه اليوم.
لنعد إلى قصة النوافذ التي استُبدل زجاجها بألواح شمسية شفافة. هل يُمكننا حقًا أن نُطلق عليها اسم نافذة؟ مع أنها تحتفظ بشكل النافذة، إلا أن هناك قيودًا واضحة على تسميتها نافذة بالمعنى المتعارف عليه. وبالمثل، هل يُمكننا أن نُطلق على إنسان استُبدلت أجزاء من جسده بآلات بفضل التقدم العلمي، أو حُسِّن أداؤه من خلال المعالجة الكيميائية، اسم الإنسان العاقل؟ في عصرٍ تُعيد فيه التقنيات المُتقاربة، التي تمزج بين الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية، تشكيل جسم الإنسان وقدراته، قد لا نعرف متى يجب أن نُودِّع الكائنات التي كنا نُطلق عليها اسم "بشر".
يشهد العالم اليوم موجة تغيير هائلة. وقد حدثت لحظة محورية في التاسع من مارس/آذار 2016، حين تنافس ممثل بشري مع الذكاء الاصطناعي في تحدي جوجل ديب مايند، وانتصر الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف. يتذكر الكثيرون هذا الحدث باعتباره "اللحظة الرمزية التي أقر فيها البشر لأول مرة بتفوقهم على الآلات في الإبداع والتفكير". ومنذ ذلك الحين، تجاوز الذكاء الاصطناعي المهام الحسابية البسيطة في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، متغلغلاً بعمق في مجالات كانت تُعتبر تقليدياً حكراً على الإنسان، مثل الإبداع والتشخيص والفن والتصميم والبرمجة وكتابة الوثائق، بل وتفوق أحياناً على البشر.
أكدت دراسات حديثة أن بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي قادرة على اقتراح أفكار بمستوى يُضاهي مستوى البشر، مما يُسهم في الأعمال الإبداعية أو حتى يُنتج نتائج مبتكرة. علاوة على ذلك، يجري إدخال الذكاء الاصطناعي في جميع القطاعات الصناعية تقريبًا، بما في ذلك الرعاية الصحية والتمويل والتصميم والإدارة، ليحل محل أو يُساعد في المهام التي كان يقوم بها البشر حصريًا.
تتخلى البشرية تدريجياً عن أدوارها لصالح الآلات، التي لا تقتصر على العمل اليدوي فحسب، بل تشمل أيضاً الذكاء والإبداع. في الماضي، كان البشر هم المستخدمون الرئيسيون للآلات، وكانت القوة الدافعة للمجتمع هي العقل البشري. لكن هذا التوازن آخذ في التلاشي. فالذكاء الاصطناعي والروبوتات يتجاوزان مجرد المساعدة ليصبحا "كيانات تعاونية"، بل وأحياناً "كيانات قابلة للاستبدال". وقد دخلت بالفعل روبوتات الأطباء والفنانين ومصممي الذكاء الاصطناعي والأنظمة الطبية الآلية وأنظمة توليد المحتوى الآلية إلى العالم الحقيقي.
إذن، ما الخيار الذي ستتخذه البشرية؟ إذا تم تطوير جهاز يحافظ على درجة حرارة المبنى ويمنع دخول المواد الضارة، فقد تفقد النوافذ فائدتها وتختفي في نهاية المطاف. وبالمثل، إذا ظهرت آلات أكثر ذكاءً وإبداعًا من البشر، فقد لا يكون أمام البشرية خيار سوى التنازل عن مكانتها للآلات. نحن الآن نقف عند مفترق طرق، مع اقتراب نهاية "عصر الإنسان العاقل".

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.