هل النوم لمدة 7 إلى 8 ساعات ضروري حقاً؟ هل كان نابليون وإديسون استثناءً؟

تتناول هذه المدونة سبب ضرورة الحصول على 7 إلى 8 ساعات من النوم، وما إذا كانت الشخصيات التاريخية التي عملت بشكل جيد مع ساعات نوم أقل حالات استثنائية.

 

يعاني الناس في كل مكان هذه الأيام من قلة النوم. في الواقع، وجدت إحدى الدراسات أن طلاب المدارس الثانوية الكورية لا يحصلون إلا على 5 ساعات و27 دقيقة من النوم يوميًا في المتوسط. ويعود ذلك إلى عدم كفاية الراحة نتيجةً لتزامن النمو السريع خلال فترة المراهقة مع الضغط الدراسي. ونتيجةً لذلك، يعاني العديد من المراهقين من الإرهاق والتوتر المزمنين، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة تتراجع فيها قدراتهم التعليمية أيضًا.
لطالما سمعنا منذ الصغر أن "النوم من 7 إلى 8 ساعات يوميًا ضروري". هذه ليست مجرد نصيحة، بل توصية مثبتة علميًا لنمو الدماغ والتعافي البدني. كما تقترح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) هذا النطاق كمدة نوم مناسبة للبالغين. مع أن هذه المقولة مدعومة علميًا بشكل واضح، إلا أن هناك تساؤلات حول مدى انطباق هذا المعيار على الجميع في الواقع. في حالتي، غالبًا ما أنام أقل بكثير من 7 إلى 8 ساعات، ومع ذلك أؤدي وظائفي بشكل جيد في اليوم التالي دون أي اضطراب يُذكر في حياتي اليومية. هذا الأمر دفعني للتساؤل: هل الالتزام بمدة نوم محددة ضروري حقًا للحفاظ على الصحة؟
قد يقول قائل: "إنّ تفويت يوم أو يومين من النوم لن يُسبّب مشاكل فورية، لكنّ الحرمان المتكرر من النوم سيضرّ بصحتك بلا شك". تاريخيًا، عُرف عن شخصيات مثل نابليون وإديسون أنّهما كانا ينامان من ثلاث إلى أربع ساعات فقط يوميًا. عاشا حياةً خالية من المشاكل رغم قلة نومهما، وحقّقا إنجازات عظيمة. لكن هل يُمكن اعتبار هذه الحالات معيارًا للجميع؟ ربما كانا فردين استثنائيين مُهيّئين وراثيًا للحاجة إلى نوم أقل.
ما ينبغي أن نركز عليه حقًا هو ما إذا كانت حالات هؤلاء الأفراد الاستثنائيين قابلة للتطبيق بالتساوي على عامة الناس. فبينما قد يكونون قد تغلبوا على الحرمان من النوم في ظروف خاصة، يجد معظم الناس صعوبة في الحفاظ على صحتهم البدنية والنفسية دون نوم كافٍ. في الواقع، تُظهر العديد من الدراسات أن الحرمان من النوم يُضعف جهاز المناعة ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعديد من الأمراض المزمنة على المدى الطويل، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري، والسمنة.
علاوة على ذلك، لا يقتصر دور النوم على مجرد الراحة. فخلال النوم، ينظم الدماغ المعلومات التي يتلقاها خلال النهار ويخزن ما يعتبره مهمًا في الذاكرة طويلة الأمد. ويجب أن تتم هذه العملية بسلاسة للحفاظ على القدرة على التعلم والتفكير الإبداعي. وبالتالي، يمكن أن يؤدي الحرمان من النوم إلى مشاكل إدراكية متنوعة، مثل انخفاض التركيز وضعف الذاكرة وبطء التفكير، مما يؤثر بشكل مباشر على الأداء الأكاديمي أو المهني.
يُثير هذا الأمر الحاجة إلى دراسة ما إذا كان هناك بالفعل "مدة نوم مثالية"، وما هي معاييرها، وما المشاكل التي تنشأ عند عدم الالتزام بها. ومن أبرز الإحصاءات التي تُبيّن العلاقة بين مدة النوم والصحة، العلاقة بين معدلات الوفيات ووقت النوم. فبحسب فريق بحثي عالمي مرموق، كان معدل الوفيات لدى الأفراد الذين ينامون 5 ساعات أو أقل يوميًا أعلى بنسبة 21% مقارنةً بمن ينامون 7 ساعات. في المقابل، أظهر من ينامون 10 ساعات أو أكثر يوميًا معدل وفيات أعلى بنسبة 36%. تُشير هذه البيانات إلى أن قلة النوم أو كثرته قد تُضرّ بالصحة. بعبارة أخرى، علميًا، توجد "مدة نوم مثالية" واضحة، وتوصي إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) بالنوم من 7 إلى 8 ساعات.
إذن، ما التغيرات التي تطرأ على الجسم عند عدم الحصول على مدة النوم الموصى بها؟ أولًا، أثناء النوم، يخضع الجسم لعملية التخلص من الفضلات المتراكمة في الجهاز العصبي نتيجة أنشطة النهار. إذا لم تكتمل هذه العملية بشكل صحيح، تتراجع وظائف الدماغ، وعلى المدى الطويل، قد يؤدي ذلك إلى تلف الجهاز العصبي. علاوة على ذلك، يُعد النوم الوقت الأمثل لمعالجة المعلومات والمشاعر المتراكمة طوال اليوم. وبدون وقت كافٍ لذلك، تتدهور الذاكرة، وتقل مرونة التفكير. وهذا يؤدي حتمًا إلى انخفاض كفاءة العمل والقدرة على التعلم.
علاوة على ذلك، يُضعف الحرمان من النوم المناعة، مما يجعل الشخص أكثر عرضة للإصابة بالعديد من الأمراض المعدية. كما أنه يُخلّ بالتوازن الهرموني، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض مزمنة كالسمنة والسكري. في الواقع، يُعد هرمون النمو وهرمونات تنظيم الشهية، مثل الغريلين واللبتين، شديدة الحساسية لمدة النوم. فنقص النوم يزيد الشهية بينما يُقلل من استهلاك الطاقة، مما قد يؤدي إلى زيادة الوزن. في نهاية المطاف، يُعد النوم عاملاً فسيولوجياً بالغ الأهمية يُؤثر على الصحة البدنية والنفسية على حد سواء.
من جهة أخرى، يؤثر النوم المفرط سلبًا على الصحة. تشير الدراسات الحديثة إلى أن الأشخاص الذين ينامون أكثر من 9 ساعات يوميًا أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والاكتئاب، والسكري، والسمنة، مقارنةً بمن لا ينامون أكثر من ذلك. فعلى وجه التحديد، وجدت دراسة نُشرت عام 2022 في مجلة جمعية القلب الأمريكية أن الأفراد الذين ينامون أكثر من 9 ساعات يوميًا أكثر عرضة بنسبة 14% للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية مقارنةً بمن ينامون 7 ساعات. كما رصدت الدراسة ميلًا نحو تباطؤ نشاط الدماغ وزيادة التعب خلال النهار. وهذا يُشير إلى أنه على الرغم من أهمية النوم الكافي، إلا أن النوم المفرط قد يُسبب آثارًا سلبية.
علاوة على ذلك، فإن عادة قضاء ساعات طويلة في السرير تحدّ من النشاط البدني، مما قد يؤدي إلى انخفاض كتلة العضلات، واضطراب وظائف التمثيل الغذائي، وتدهور الصحة النفسية. ويؤكد الخبراء على ضرورة معالجة كل من قلة النوم وكثرته بعناية باعتبارهما عاملين رئيسيين يضران بالصحة.
استنادًا إلى الأبحاث الحالية، من الواضح أن قلة النوم وكثرته يؤثران سلبًا على الصحة. مع ذلك، يعاني الكثيرون في الواقع من الأرق أو لا يحصلون على قسط كافٍ من النوم بسبب ضغوط العمل أو الدراسة. وبينما يلجأ البعض إلى الأدوية لمعالجة هذه المشكلات، فإن الحل الأمثل طويل الأمد يبدأ بتحسين نمط الحياة. فالمحافظة على جدول نوم منتظم، وتجنب الإفراط في تناول الكافيين قبل النوم، والحد من استخدام الأجهزة الإلكترونية، كلها عادات تُسهم في تحسين جودة النوم. وفوق كل ذلك، يُعدّ التحكم في التوتر عنصرًا أساسيًا لنوم هانئ.
في نهاية المطاف، النوم ليس مجرد وقت لراحة الجسم، بل هو عامل حاسم في تحديد جودة الحياة بشكل عام. نعيش في القرن الحادي والعشرين، ونتحدث كثيراً عن "الرفاهية"، لكننا غالباً ما نتجاهل النوم، وهو الركن الأساسي في إدارة الصحة. لكي نعتني بأنفسنا ونعيش حياة صحية، علينا أن ندرك أهمية النوم من جديد. إن الحصول على 7 إلى 8 ساعات من النوم يومياً خطوة صغيرة لكنها فعّالة نحو حياة أكثر صحة وسعادة.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.