تتناول هذه المدونة المبادئ والتطبيقات التي أدت إلى تطور الفيزياء النووية - دراسة النوى الذرية - إلى التقنيات الطبية الحديثة مثل العلاج الإشعاعي وفحوصات التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، وذلك عبر السيكلوترونات والنظائر المشعة.
لماذا أدت الفيزياء النووية إلى الطب والعلوم التجريبية؟
الفيزياء النووية هي دراسة نوى الذرات. مع ذلك، يميل الكثيرون إلى حصر فهم الفيزياء النووية في مجال دراسة ظاهرة الانشطار النووي التي تحدث في محطات الطاقة النووية. على عكس هذا التصور، فإن العديد من النواتج الثانوية المتولدة خلال أبحاث الفيزياء النووية أتاحت إجراء تجارب كانت مستحيلة سابقًا في مجالات أخرى من الكيمياء أو الفيزياء، ولها أيضًا قيمة عملية في المجال الطبي.
السيكلوترون: مجرد مسرع جسيمات بسيط؟
على سبيل المثال، لنأخذ السيكلوترون، وهو مُسرِّع جسيمات طُوِّر لتجارب الفيزياء النووية. السيكلوترون مُسرِّع جسيمات يُحْدِث حركة دائرية للجسيمات. وهو جهاز بسيط نسبيًا من الناحية التركيبية، يتكون من حجرتين مفرغتين على شكل حرف D مصنوعتين من صفائح نحاسية. يستخدم هذا الجهاز جهد تيار متردد عالي التردد لتسريع تدفق الجسيمات المشحونة.
يمكن تقسيم الخصائص الهيكلية للسيكلوترون إلى سمتين رئيسيتين. السمة الأولى هي أنه، على عكس مسرعات الجسيمات الخطية التقليدية، فإن السيكلوترون عبارة عن مسرع جسيمات دائري الشكل يتكون من لوحين نصف دائريين على شكل حرف D متباعدين بمسافة محددة. أما السمة الثانية فهي أن اتجاه تردد الجهد المتناوب داخل السيكلوترون يتغير في كل مرة تمر فيها الجسيمات عبر أحد اللوحين النصف دائريين. ولتسريع تدفق الجسيمات، يتدفق الجهد المتناوب بين قطبين معدنيين نصف دائريين داخل حجرة التفريغ. يفصل بين هذين اللوحين نصف الدائريين مسافة ثابتة لضمان وجود مساحة كافية للجسيمات، المحقونة في مركز هذه الحجرة، للتحرك بحرية. يقع اللوحان النصف دائريان بين قطبي مغناطيس كهربائي يولد مجالًا كهرومغناطيسيًا عموديًا على اللوحين. يتسبب المجال المغناطيسي الناتج في انحناء مسارات الجسيمات إلى شكل دائري بفعل قوة لورنتز التي تعمل عموديًا على اتجاه حركتها. علاوة على ذلك، في كل مرة تمر فيها الجسيمات عبر الفجوة بين الصفيحتين نصف الدائريتين، يتغير اتجاه تردد المجال الكهربائي. يضمن هذا التغيير توجيه المجال الكهربائي بشكل مناسب لتسريع سرعة الجسيمات. ونتيجة لذلك، تُوجَّه الجسيمات لاتباع مدارات دائرية ذات أنصاف أقطار متزايدة تدريجيًا تحت تأثير القوة الكهربائية.
يمكن استخدام الجسيمات المُسرّعة بهذه الطريقة في التجارب بعد خروجها من السيكلوترون، مثل تصادمها بمواد مختلفة أو تحفيز التفاعلات النووية لمراقبة تكوين جسيمات جديدة. مع ذلك، لا تقتصر فائدة الجسيمات المُولّدة في السيكلوترون على التجارب البسيطة فحسب، بل تلعب دورًا حاسمًا في المجال الطبي. بعبارة أخرى، يمكن استخدام حزمة الأيونات المنبعثة من السيكلوترون في علاج السرطان، بما يتماشى مع المبدأ الأساسي لتقنية طبية تُعرف باسم العلاج الإشعاعي. توفر طريقة تشعيع موضع ورم المريض ببروتونات مُسرّعة إلى حوالي 60% من سرعة الضوء في السيكلوترون لتدمير الحمض النووي للخلايا السرطانية ميزة تقليل التأثير على الأنسجة السليمة أثناء مرورها عبر الجسم، مقارنةً بالعلاج الإشعاعي التقليدي. علاوة على ذلك، فإن عملية العلاج سريعة نسبيًا وتُسبب إزعاجًا أقل للمريض، وهي سمة أخرى مهمة. وهكذا، يُظهر تطبيق الفيزياء النووية أنها لا تقتصر على مجال توليد الكهرباء فحسب، بل يمكن أن تمتد إلى مجالات متنوعة.
الفيزياء النووية في التكنولوجيا الطبية
تُستخدم النظائر المشعة، الشائعة في تجارب الفيزياء النووية، على نطاق واسع في التكنولوجيا الطبية. وقد طُوّرت أجهزة طبية مبتكرة تستخدم هذه النظائر للحصول على معلومات أكثر تفصيلًا حول وظائف الجسم الداخلية. وإلى جانب التصوير التقليدي بالأشعة السينية، والتصوير المقطعي المحوسب (CT)، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، ظهرت تقنية التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) التي تُتيح تصوير النشاط الوظيفي للدماغ. يعتمد جهاز PET على استخدام مواد مُوسومة بنظائر مشعة للحصول على صور لمناطق مختلفة من الدماغ. ويستند مبدأ جمع صور PET إلى ظاهرة فسيولوجية تتمثل في زيادة استقلاب الجلوكوز في مناطق الدماغ النشطة، مما يؤدي إلى زيادة مماثلة في تدفق الدم. في هذه العملية، تُستخدم جزيئات الماء التي تحتوي على نظير ذي عمر نصف قصير للغاية يبلغ دقيقتين تقريبًا لقياس التغيرات في تدفق الدم. يقارن الفحص استجابة الدماغ في حالة عدم وجود تحفيز مُحدد بحالة تنشيطه عند تطبيق التحفيز، وذلك باستخدام طريقة التصوير المقطعي. توضح هذه الأمثلة بوضوح كيف يمكن للفيزياء النووية أن تؤثر بشكل إيجابي على تقدم المجالات الأكاديمية الأخرى.
مدى قابلية تطبيق الفيزياء النووية
إن كلاً من تقنية توليد الكهرباء باستخدام تفاعلات الانشطار النووي والتطبيق الطبي لمسرعات الجسيمات المعروفة باسم السيكلوترونات، هما نتاج تطبيق مبادئ علمية تم اكتشافها خلال استكشاف النوى الذرية. وبهذا المعنى، لا يقتصر علم الفيزياء النووية على كونه تخصصًا يركز على توضيح خصائص الجسيمات فحسب، بل هو مجال يدفع عجلة التقدم في التخصصات الأكاديمية الأخرى استنادًا إلى المعرفة المتراكمة خلال أبحاثه. وخلاصة القول، يمكن تلخيص الفيزياء النووية بأنها تخصص متعدد الجوانب لا يقتصر على استكشاف النوى الذرية فحسب، بل يساهم أيضًا في تقدم العلوم والتكنولوجيا ككل من خلال تطبيق المبادئ التي تم الكشف عنها في هذه العملية على مختلف المجالات.