تتناول هذه المدونة كيف أدى "اكتشاف المناظر الطبيعية"، الذي ظهر جنبًا إلى جنب مع تشكيل وجهة النظر الحديثة، إلى تحويل العالم الداخلي للفرد إلى مساحة منعزلة، مستكشفة انعكاس المنظور الذي التقطته الأدب والفن وأهميته.
أحدث المنظور الخطي الذي اقترحه برونليسكي في أوائل القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في أسلوب رسم المناظر الطبيعية الغربية. ومع ظهور المنظور الهندسي، الذي يرتب العناصر بشكل موحد من نقطة رؤية ثابتة، أصبح بإمكان الرسامين تصوير الطبيعة على اللوحة تماماً كما تراها العين البشرية. وقد قام الناقد الأدبي كوجين كاراتاني بدراسة ممارسات الأوساط الأدبية الملتزمة باتجاهات أدبية محددة دراسة نقدية من خلال ما يُعرف بنظرية المناظر الطبيعية، وهي إعادة تفسير لهذا المبدأ في رسم المناظر الطبيعية.
بحسب كاراتاني، فإن المنظر الطبيعي هو شيء يُدرك كوحدة متكاملة من خلال نظرة شخص واحد ذي وجهة نظر ثابتة. فالمنظر الطبيعي الذي يتكشف أمام عيني ليس طبيعة موجودة بذاتها، بل هو موجود لأنني أنظر إليه. وبهذا المعنى، يصبح كل منظر طبيعي شيئًا جديدًا أكتشفه. أي أن المنظر الطبيعي لا يوجد ببساطة في الخارج، بل يصبح منظرًا طبيعيًا فقط من خلال الإدراك الذاتي.
يُطلق كوجين على هذه العملية اسم "اكتشاف المشهد"، ويربطها بالعالم الداخلي المنعزل للفرد المعاصر. فعلى سبيل المثال، في رواية كونيكيدا دوبو، يشعر البطل بالوحدة، لكنه يتجنب مصادقة جيرانه الحقيقيين. بدلاً من ذلك، يستذكر أشخاصًا مجهولين التقاهم صدفةً في نزهاته، أو شخصيات من ذكريات لا يمكنه استعادتها، مُسقطًا مشاعره عليهم بشكل أحادي الجانب. يُعلن أن جميع البشر متساوون في مصيرهم المحتوم نحو الموت، وبالتالي فإن كل شخص منهم كائن مألوف. بتجنبه العلاقات الحقيقية مع الجيران، يعيش البطل في عالم مُكوّن من أشخاص لا تربطه بهم أي صلة حقيقية. يرى كوجين في هذا البطل، الذي يُعامل حتى البشر كمجرد مشهد، نموذجًا للإنسان الداخلي الذي يكتشف المشهد من خلال نظرة مُغايرة. هنا، يخلص كوجين إلى أن المشهد، في الواقع، يُكتشف من قِبل أولئك الذين لا ينظرون إلى الخارج.
تُطرح نظرية كو جين عن المشهد الطبيعي لنقد التيار الاجتماعي السائد في الأوساط الأدبية، حيث يُركز أحد الجانبين على الذات أو الباطنية، بينما يُدافع الجانب الآخر عن التصوير الواقعي للأشياء، مما يُنشئ ثنائية مُتناقضة. ورغم أن تمثيل الذاتي وتمثيل الموضوعي قد يبدوان مُتناقضين، إلا أنهما في الواقع مُتداخلان. فالذين اعتادوا على مفهوم المشهد الطبيعي لا يستطيعون الإفلات من العالم الذي تُشكّله الذاتية، مُعتقدين بسهولة أن ما هو مرئي هو الشكل الحقيقي للعالم الأصلي. إنهم يعتقدون أنهم يقفون خارج المشهد الطبيعي بينما هم في الواقع موجودون داخله. يُؤكد كو جين أنه إذا أطلقنا على مُحاكاة العالم الخارجي الناجمة عن هذا الاعتقاد اسم الواقعية، فعلينا أن نُدرك أنها تنبع في نهاية المطاف من نظرة مُقلوبة. ويُشارك هذا السياق المنظور الشكلي الروسي، الذي يجد جوهر الواقعية في التغريب. ووفقًا لهذا المنظور، الذي يُجادل بأنه يجب أن نُعيد رؤية ما أصبحنا مُعتادين عليه لدرجة أننا لا نُدركه حقًا، يجب على الواقعية أن تُخلق باستمرار مناظر طبيعية جديدة. لذلك، يجب أن يكون الواقعي دائمًا إنسانًا داخليًا.
بالطبع، يدرك البعض شعورهم بالانحصار داخل هذا العالم. فعندما واجه ناتسومي سوسيكي سؤال ماهية الأدب، أدرك أن الكتب الأدبية التي اطلع عليها لم تفعل سوى ترسيخ أفكاره المسبقة. فقام على الفور بحشرها جميعًا في حقيبته. وأوضح أن قراءة الكتب الأدبية لفهم ماهية الأدب أشبه بغسل الدم بالدم. ويرى كو جين أن هذا الموقف هو تحديدًا نتيجة إدراك سوسيكي لانحصاره داخل هذا العالم. فبمجرد ترسيخ وجهة نظر ثابتة، يُرتب كل ما يقع ضمنها وفقًا لإحداثياتها، ويتخذ في النهاية شكل عالم موضوعي. وللتشكيك في هذا العالم، لا بد من التشكيك في وجهة النظر الثابتة التي يمتلكها المرء. وهنا تحديدًا يبدأ الشعور بعدم الارتياح داخل هذا العالم.
ثم، إذا نظرنا إلى لوحات المناظر الطبيعية التي لا تعتمد على المنظور الخطي - أي ليست لوحات المناظر الطبيعية الغربية بل الشرقية - فهل يمكن تفسير نظرية كو جين عن المناظر الطبيعية بشكل مختلف؟ ذلك لأن لوحات المناظر الطبيعية لا تتبع المنظور الهندسي، مما يجعل الطبيعة تبدو كما هي. ومع ذلك، حتى أشجار الصنوبر في لوحات المناظر الطبيعية ليست أشجار صنوبر حقيقية موجودة في زمان ومكان محددين، بل هي بالأحرى تصورات الفنان لأشجار الصنوبر في ذهنه. في نهاية المطاف، حتى لو شكك المرء في العالم وتساءل عنه، فلن تتبدد مخاوفه الغامضة لأنه لا يعرف طريقة أخرى لمواجهة العالم. ومع ذلك، يجب على من يتفاعلون مع الأدب ألا يغفلوا عن التساؤل حول نظرتهم المقلوبة. فالإطار الخادع الذي تخلقه هذه النظرة المقلوبة لا يمكن إدراكه إلا من قبل أولئك الذين يشعرون بعدم الارتياح داخل المشهد الطبيعي. وبدون محاولة فحص هذه الازدواجية الدقيقة في آن واحد، لن نفشل فقط في إدراك حالة اكتشاف المشهد الطبيعي بشكل صحيح، بل سنكتب ونقرأ الأدب في نهاية المطاف من خلال عيون المشهد الطبيعي فقط.