لماذا أصبحت الخبرة العلمية ذات أهمية متزايدة في الأحكام القانونية؟

تبحث هذه التدوينة في كيفية تأثير التقدم في العلوم والتكنولوجيا على الأحكام القانونية ولماذا أصبحت التقنيات العلمية مثل تأريخ الكربون المشع مهمة بشكل متزايد كدليل، باستخدام أمثلة محددة.

 

مع التقدم السريع في العلوم والتكنولوجيا وامتداد تأثيرهما في مختلف جوانب الحياة اليومية، تتزايد الحاجة إلى المعرفة العلمية المتخصصة في قاعات المحاكم باطراد. وقد أصبح اختبار الأبوة من خلال تحليل الحمض النووي والتحقيقات الجنائية باستخدام تقنيات الطب الشرعي الرقمي أمرًا شائعًا. ومؤخرًا، لفت استخدام الأدلة العلمية القائمة على تقنية تحديد عمر الأشجار (Dendrochronology) انتباهًا جديدًا.
يشير علم تحديد عمر الأشجار إلى المجال العلمي الذي يُعيد بناء تاريخ نمو الأشجار وظروفها البيئية من خلال تحليل حلقات نموها. تُشكل معظم الأشجار التي تنمو في الغابات المعتدلة حلقة نمو واحدة سنويًا، ويختلف عرض هذه الحلقات وشكلها وخصائصها الكيميائية باختلاف العوامل البيئية التي تعرضت لها الشجرة. على سبيل المثال، تُنتج سنوات هطول الأمطار الغزيرة حلقات نمو أوسع، بينما تُنتج سنوات الجفاف حلقات نمو أضيق. تُوفر الأنماط الفريدة التي تكشفها هذه الحلقات المُتشكلة بشكل مُتتالي أدلةً تُشبه بصمات الأصابع، مما يسمح بتقدير دقيق لتسلسل نمو الشجرة.
لنفترض أنه في عام 2005، وبعد قطع شجرة عمرها 400 عام بها 400 حلقة نمو وتحليل مقطعها العرضي، تم تحديد نمط غريب: خمس حلقات عريضة، وخمس حلقات ضيقة، ثم ست حلقات عريضة تظهر على التوالي على مدى فترة 16 عامًا من عام 1628 إلى عام 1643. وفي الوقت نفسه، أظهرت قطعة خشب قديمة استخدمت كعارضة رئيسية في موقع تاريخي قريب 332 حلقة نمو فقط من قلب الشجرة والمنطقة المحيطة بها، ولم يكن الوقت الدقيق لقطعها معروفًا. ومع ذلك، إذا تم العثور على نفس نمط الشجرة المذكورة أعلاه في الحلقة السابعة من حافة تلك القطعة الخشبية، فيمكن استنتاج أن الشجرة التي توفر هذا الخشب قد قُطعت حوالي عام 1650 وبدأت في النمو حوالي عام 1318. علاوة على ذلك، يمكن استخدام طريقة مقارنة حلقات الأشجار هذه لتتبع سجل حلقات الأشجار إلى أبعد من ذلك في الوقت المناسب من خلال مقارنتها بأخشاب الأعمدة الأخرى الموجودة داخل الموقع.
وهكذا، لا يقتصر تطبيق التأريخ المقارن باستخدام حلقات الأشجار على نطاق واسع كتقنية علمية لتقدير تواريخ إنتاج أو بناء الأعمال الفنية والممتلكات الثقافية فحسب، بل يوفر أيضًا مساعدة عملية في حل المسائل القانونية. في الماضي، كانت الأشجار تُستخدم غالبًا كعلامات حدودية للأراضي، مما جعل التحقق من عمرها أساسًا حاسمًا لحل النزاعات. كما لعب تحليل حلقات الأشجار دورًا هامًا في القضايا الجنائية. من المعروف على نطاق واسع أن عالم الأشجار كولر كان له دور فعال في تحديد هوية مرتكب جريمة اختطاف وقتل طفل ليندبيرغ عام ١٩٣٢. فقد حلل الخشب المستخدم في سلم مصنوع يدويًا وُجد في مسرح الجريمة، متتبعًا متى وأين تمت معالجته في منشرة قبل نقله إلى مستودع أخشاب بالقرب من منطقة الجريمة. علاوة على ذلك، أثبت علميًا أن الخشب المستخدم في ألواح أرضية علية المشتبه به وجزء من السلم المصنوع يدويًا جاء في الأصل من نفس قطعة الخشب، مما وفر الدليل الحاسم الذي حل القضية.
يُرجَّح أن يكون مجال التقاضي البيئي المجالَ الذي يُمثِّل فيه تحليل حلقات الأشجار أكبرَ إمكانات التطبيق. فقد ركَّز العلماء، لفترة طويلة، على إعادة بناء تاريخ التقلبات المناخية والتنبؤ بتغير المناخ في المستقبل من خلال دراسات طولية للمعلومات البيئية المُخزَّنة في حلقات الأشجار. ومع ذلك، فإن المعلومات المُتراكمة في حلقات الأشجار لا تشمل فقط العوامل البيئية، مثل هطول الأمطار أو أمراض الأشجار، بل تشمل أيضًا التعرّض للمعادن الثقيلة والملوثات المشعة وغيرها من المواد الكيميائية الضارة. ويُمكِن أن يُوفِّر تحليل هذه البيانات أدلةً حاسمةً لتحديد توقيت بدء إطلاق المواد الضارة في منطقة مُحدَّدة. وفي مجال تحديد عمر الأشجار الأوسع، يُشار أحيانًا إلى الأبحاث التي تُركِّز تحديدًا على هذه الخصائص الكيميائية باسم "كيمياء الأشجار" بشكل مُنفصل.
في غضون ذلك، لكي تُعتبر آراء الخبراء العلميين والتقنيين أدلةً عمليةً وموثوقةً في المحاكم، يجب استيفاء شروطٍ معينة. ولا يُستثنى من ذلك تحليل حلقات الأشجار. إذ يجب على المحاكم مراجعة احتمالية تحيز الخبراء وخطئهم بدقة، بالإضافة إلى خطر اعتبار نظرياتٍ أو أساليب تحليليةٍ مُحددةٍ علمًا زائفًا. وعلى وجه الخصوص، يتضمن تفسير التلوث البيئي من خلال تحليل حلقات الأشجار متغيراتٍ أكثر من تفسير التغيرات البيئية الفيزيائية، كما أن تاريخ البحث في هذا المجال قصيرٌ نسبيًا. ومع ذلك، فإن التقييم القائل بأن الأساس العلمي والتكنولوجي لهذه التقنيات التحليلية ينضج إلى مستوى كافٍ لتلبية الخبرة والقدرة على التحقق المطلوبين من قِبل المحاكم التي تنظر في الدعاوى البيئية يكتسب زخمًا تدريجيًا.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.